استدعته الخارجية. سلمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة. ثم تركته يعود إلى مكتبه.
هذا كل ما جرى.
والغريب في القصة ليس شدة اللهجة.
الغريب أن الرجل الذي استدعي أصلا ليس سفيرا.
فإيران لم تجرؤ حتى أن ترسل سفيرا كاملا إلى عمان. أرسلت قائما بأعمال فقط.
وكأن طهران نفسها تعرف أن العلاقة لا تحتمل مقعدا رسميا بحجم سفارة كاملة.
لكنها تحتمل، على ما يبدو، صواريخ ومسيرات.
فخلال الأيام الأخيرة، سقطت صواريخ ومسيرات إيرانية على الأراضي الأردنية، بعد سلسلة اعتداءات جعلت المملكة نفسها في مرمى النيران. وفي هجوم سابق، قتل جنديان أميركيان وفقد ثالث على الأرض الأردنية، أثناء التصدي لصواريخ باليستية ومسيرات إيرانية.
هذا ليس توترا دبلوماسيا.
هذا استهداف مباشر لأرض ذات سيادة!
ومع ذلك، ما زال مكتب صغير في عمان يحمل لافتة السفارة الإيرانية، ويستقبل من يشاء، ويرسل بيانات يصفها مسؤولون أردنيون بأنها محاولة تبييض لعدوان سافر بعبارات منمقة.
والدولة التي ترفض تجديد إقامة دبلوماسي إيراني، وترفض اعتماد آخر، وتستدعي القائم بالأعمال لتسليمه احتجاجا تلو احتجاج، تكون قد قالت كل شيء تقريبا.
إلا الكلمة الأخيرة!
فالخط الأحمر الذي يكرره المسؤولون في كل بيان له معنى واحد فقط حين لا يبقى خطا يرسم على الورق فقط.
الدبلوماسية، في حالتها الطبيعية، جسر بين دولتين تحترمان حدود بعضهما.
لكن حين يتحول الجسر إلى طريق تعبره الصواريخ باتجاه واحد، لم يعد جسرا.
صار هدفا سهلا لمن يقصفك، لأنه يعرف أن مكتبه في عاصمتك ما زال مفتوحا مهما فعل.
لا توجد دولة تحترم سيادتها، وتتعرض أراضيها للقصف، ثم تتصرف وكأن ما جرى مجرد خلاف في وجهات النظر!
نعم، لقطع العلاقات كلفة. الأردن دولة تحسب كل خطوة بميزان لا يشبه ميزان الخطابة.
وربما تحتفظ الدولة بخط اتصال منخفض المستوى لأسباب تتعلق بأمنها هي، لا برضاها عن طهران.
هذا حساب مشروع، ولا أحد يملك كل تفاصيله من خارج الغرفة المغلقة.
لكن ثمة فرقا بين الاحتفاظ بقناة اتصال ضرورية، وبين الإبقاء على مشهد دبلوماسي يوحي بأن شيئا لم يتغير.
فاستدعاء قائم بأعمال كل أسبوعين ليسمع احتجاجا لن يوقف مسيرة واحدة.
ولن يعيد جنديا سقط على أرض لم تكن حربه أصلا!
والسؤال الذي يستحق أن يطرح بصوت عال ليس: هل نقطع العلاقة؟
السؤال: متى تصبح كلفة الإبقاء على هذه العلاقة أكبر من كلفة إنهائها؟
وكم مذكرة احتجاج أخرى تحتاجها عمان لتقتنع أن الاحتجاج وحده لم يعد كافيا؟
فبعض الأبواب لا تغلق لأن الضيف مزعج.
تغلق لأن من يقصف البيت لا يعود ضيفا، مهما بقيت اللافتة معلقة على بابه.



