*
الجمعة: 31 تموز 2026
  • 30 تموز 2026
  • 20:00
ليس دفاعًا عن وزير بل شهادة صديق
الكاتب: عدنان العضايلة

منذ أن أعلن تكليف الصديق نضال القطامين بحقيبتي النقل والعمل، قرأت كثيرًا من التعليقات التي تسأل: لماذا وزارتان؟ وهل يستطيع رجل واحد أن يحمل هذين الملفين؟

لم أجد نفسي معنيا بالدخول في جدل السياسة، ولا أحب أن أزاحم الناس في آرائهم، لكنني شعرت أن من الوفاء أن أروي قصة يعرفها شخص عايشه عن قرب، قبل أن يعرفه الناس وزيرا، وقبل أن تسبقه الألقاب والمناصب.

أعود بذاكرتي أكثر من خمسة وعشرين عاما إلى جامعة مؤتة في الكرك. كنت يومها مديرا لمكتب الارتباط في الجامعة، وكان نضال القطامين مديرا لمكتب العلاقات الدولية. كنا زملاء في الميدان نفسه، نرى بعضنا كل يوم، وكان أكثر ما يلفتني فيه شغفه الاستثنائي بالعمل. لم يكن ينظر إلى الوظيفة على أنها ساعات دوام تنتهي بانتهاء العقارب، بل كان كثيرا ما يبقى حتى العاشرة ليلا، وربما أكثر، إذا كان في يده عمل لم يكتمل.

وأذكر موقفا لا يزال حاضرا في ذهني كأنه حدث بالأمس.

كنا يومها ننقل المكاتب إلى مبنى آخر، وكانت الفوضى تملأ المكان. صناديق كرتونية متراكمة، وأثاث لم يُرتب بعد، ومكاتب لم تصبح صالحة للعمل، طُلب من نضال حينها إنجاز مهمة تتعلق بعمله، فدخل إلى المكتب ثم عاد إلي مستغربا، وقال: كيف سأعمل والمكتب على هذه الحال؟

قلت له ببساطة: انتظر إلى الغد، وحين يكتمل ترتيب المكتب أنجزها.

ابتسم ابتسامة قصيرة، وقال عبارة لم أنسها إلى اليوم: "مستحيل، لن أنتظر إلى الغد"

ثم فعل شيئا أثار دهشتي، افترش الأرض بين الصناديق، وأخرج جهازه الشخصي، ووضعه فوق أحد الكراتين، وبدأ يعمل.

لم يشغله ضيق المكان، ولا غياب المكتب، ولا عدم جاهزية الظروف، وبقي حتى أنجز المهمة كاملة، ثم غادر.

يومها أدركت أن بعض الناس لا ينتظرون الظروف المناسبة ليعملوا، بل يصنعون من أي ظرف مكانا صالحا للإنجاز.

لهذا، عندما أسمع اليوم من يستغرب كيف يحمل حقيبتين وزاريتين، أتذكر ذلك المشهد قبل أن أجيب، لست أقول إن الرجل معصوم من الخطأ، ولا إن النجاح مضمون لأي مسؤول، فهذه أمور يحكم عليها الأداء والنتائج، لكنني أعرف يقينا أنني أتحدث عن إنسان رأيته بعيني لا يعرف التسويف، ولا يعتاد تأجيل الواجب.

هذه ليست شهادة مسؤول لمسؤول، ولا كلمات تُكتب طلبا لمنفعة، فقد مضى العمر ولم يبقَ لنا من الدنيا أجمل من أن نقول كلمة حق فيمن عرفناه عن قرب.

قد يختلف الناس حول القرارات والسياسات، وهذا حقهم، لكن من حق من عرف الرجل قبل المناصب أن يقول ما رآه بعينه، لا ما سمعه من الآخرين.

وأنا، بعد أكثر من ربع قرن، ما زلت أرى نضال القطامين كما رأيته يوم افترش الأرض بين الصناديق ليُنجز عمله قبل أن ينتهي النهار، وبعض المواقف، مهما مرّ عليها الزمن، تكون أصدق من آلاف الخطب، وأبلغ من أي دفاع.

مواضيع قد تعجبك