حين طُرح عطاء خصخصة النظافة، كان المنطق بسيطًا ومقنعًا: القطاع الخاص أكثر كفاءة، وأكثر مرونة، وأقدر على تحمّل مسؤولية التشغيل اليومي بعيدًا عن ترهل الجهاز الحكومي. وأنا شخصيًا، بعد أكثر من عشرين عامًا من العمل داخل الجهاز الحكومي، لم أكن يومًا من المتحمسين لتقديس القطاع العام أو الدفاع عنه بلا تحفظ. كنت، ولا أزال من حيث المبدأ، مؤيدًا لخصخصة الخدمات التي يمكن للقطاع الخاص أن يديرها بكفاءة أعلى.
لكن ما نراه اليوم في الشوارع ليس خصخصة. إنه تخلٍّ عن المسؤولية من طرفين معًا: جهة مانحة لم تراقب، وجهة منفذة لم تلتزم. والنتيجة شوارع أقل نظافة، وحاويات مبعثرة هي وما حولها، ومنظر عام يوحي بأن أحدًا لا يملك زمام هذا الملف.
هذا ليس نقدًا عاطفيًا لمجرد الاعتراض. هذا توثيق لفشل إداري يجب أن يُسمّى باسمه، ويُحاسب عليه من يستحق المحاسبة، قبل أن يتحول إلى أمر واقع نعتاد عليه.
أين المشكلة بالضبط؟ سيناريوهات لا بد من مواجهتها
حين يفشل مشروع خصخصة بهذا الحجم، فإن السبب لا يكون واحدًا في الغالب، بل تراكمًا من الإخفاقات. وفيما يلي السيناريوهات الأكثر ترجيحًا، ويجب على الأمانة أن تجيب بوضوح عن أي منها هو الحاصل فعلًا:
السيناريو الأول: عطاء مكتوب بعناية أقل مما يستحق الملف كثير من عطاءات الخدمات في القطاع العام تُصاغ بمواصفات عامة فضفاضة، دون مؤشرات أداء رقمية واضحة (عدد مرات التفريغ، زمن الاستجابة، نسبة الحاويات السليمة، معايير النظافة حول الحاوية لا داخلها فقط). إذا كان العقد لا يحدد هذه المعايير بدقة، فإن الشركة الفائزة لن تُحاسب على أي شيء، لأن لا شيء مكتوبًا يُلزمها.
السيناريو الثاني: غياب المراقبة الميدانية الفعلية من الأمانة الخصخصة ليست انسحابًا من المسؤولية، بل تحوّلًا من التشغيل المباشر إلى الرقابة. فإذا كانت الأمانة قد وقّعت العقد ثم تركت الملف بالكامل للشركة دون تفتيش ميداني دوري، ودون تقارير أداء تُقارن بالواقع على الأرض، فإن الفجوة بين ما هو مكتوب في العقد وما يحدث في الشارع ستتسع تلقائيًا، لأنه لا توجد عين رقابية تضبطها.
السيناريو الثالث: تسعير العطاء إلى الأسفل على حساب التنفيذ حين يُرسى العطاء على السعر الأقل دون ربط واضح بمستوى الخدمة المطلوب، فإن الشركة الفائزة تجد نفسها مضطرة إما لخسارة مالية حقيقية، أو لتقليص الكوادر والمعدات وعدد ساعات العمل لتعويض الفارق. والنتيجة ما نراه: طواقم أقل، جولات أقل، تجديد معدوم للحاويات.
السيناريو الرابع: غياب التكامل بين أنظمة البناء وتخطيط مواقع الحاويات هذه النقطة تحديدًا تستحق وقفة، لأنها مؤسسية بامتياز لا علاقة لها بأداء الشركة وحدها. إذا كانت أنظمة البناء والتنظيم لا تشترط أصلًا تخصيص مواقع مدروسة للحاويات ضمن ممرات خدمية يسهل على عمال النظافة الوصول إليها دون إعاقة الحركة أو تشويه الواجهة، فإن المشكلة أعمق من أي عقد خصخصة. فأنت هنا تطلب من شركة خاصة أن تدير عشوائية تخطيطية ورثتها المدينة منذ عقود، دون أن يكون هناك خطط لتعديل الواقع العمراني نفسه.
السيناريو الخامس: تضارب مصالح أو علاقات لا تخضع للمساءلة لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال في أي عطاء كبير: أن تكون آلية الترسية، أو متابعة التنفيذ لاحقًا، قد تأثرت بعلاقات أو مجاملات جعلت المحاسبة الفعلية غائبة، بصرف النظر عن النص الرسمي للعقد. وإن لم يكن هذا هو الواقع، فإن الشفافية الكاملة في نشر تقارير الأداء هي الطريقة الوحيدة لنفي هذا الاحتمال أمام الناس.
نقد مباشر: الحاوية شاهد على الإهمال لا سببه
الحاوية العشوائية المتهالكة في الشارع ليست تفصيلًا بصريًا بسيطًا، بل هي المؤشر الأوضح على أن أحدًا لا يراجع الملف من أساسه. فحين طُرحت الخصخصة، كان من المفترض منطقيًا أن يكون تجديد الحاويات جزءًا أصيلًا من العقد، لا تفصيلًا يُترك لحسن نية المشغّل. وحين نرى اليوم ذات الحاويات القديمة، بذات الأعطاب، في ذات المواقع العشوائية، فإن السؤال المشروع هو: هل تم تسليم العطاء أصلًا دون خطة استبدال واضحة؟ أم أن الخطة موجودة على الورق ولم تُنفَّذ لأن لا أحد يسأل عنها؟
هذا هو جوهر ما يجب أن يُقال بصراحة: الخصخصة التي لا ترافقها رقابة صارمة ليست إصلاحًا، بل تفويضًا للفوضى بعقد موقّع وموثّق.
النصيحة: من التبرير إلى الفعل
لا حاجة لمزيد من الاجتماعات التبريرية أو التصريحات العامة بأن "الأمور تحت المتابعة". الحاجة الفعلية هي لخطوات قابلة للقياس، أهمها:
أولًا، مراجعة عقد الخصخصة نفسه ونشر مؤشرات الأداء المتفق عليها للجمهور، حتى يعرف كل مواطن ما الذي يُفترض أن تقدمه الشركة بالضبط، لا فقط ما تدّعيه.
ثانيًا، تفعيل نظام تفتيش ميداني مفاجئ ومستقل عن الشركة نفسها، بجولات دورية موثقة بالصور والتواريخ، تُنشر نتائجها بشفافية.
ثالثًا، ربط الدفعات المالية للشركة فعليًا بمستوى الأداء المُقاس ميدانيًا، لا بمجرد مرور الوقت التعاقدي. فالعقد الذي يُدفع بصرف النظر عن جودة التنفيذ لا يُنتج التزامًا، بل يُنتج تراخيًا.
رابعًا، فرض غرامات فعلية وواضحة عند الإخلال، مع سقف زمني محدد لإنذار الشركة قبل سحب العقد إن استمر التقصير، حتى لا يتحول الإنذار إلى إجراء شكلي متكرر بلا أثر.
خامسًا، إلزام الشركة بخطة زمنية معلنة لاستبدال الحاويات المتهالكة، مع تحديد مواقعها الجديدة بالتنسيق مع دائرة التنظيم، بما يضمن أن مواقع الحاويات الجديدة تراعي فعلاً سهولة الوصول للعمال وعدم إعاقة الحركة، لا أن تُكرَّر ذات الأخطاء بحاويات جديدة فقط. ( ولو مقابل بدل مادي ان لم يكن جزء من شروط العطاء – امر تغييري)
سادسًا، وهذه نقطة جوهرية، إنشاء خط ساخن حقيقي وفعّال مع الشركة المشغّلة، له رقم واضح ومعلن، ووقت استجابة قصوى محدد (مثلًا 24 ساعة لأي بلاغ)، مع رقم مرجعي لكل شكوى يتيح للمواطن متابعتها، لا خطًا هاتفيًا يرن بلا إجابة أو يُستقبل الاتصال ليُهمل لاحقًا. فإن بدا أن الشركة "لا تفهم الموضوع"، كما تصف، فإن الحل ليس مزيدًا من الصبر عليها، بل إخضاعها لآلية شكاوى رسمية موثقة تُرفع نتائجها للأمانة دوريًا، وتُستخدم كدليل مادي عند أي تجديد أو مساءلة للعقد.
سابعًا، وهذا الأهم: يجب أن يتحمل المسؤول عن إدارة هذا الملف داخل الأمانة نفسه المساءلة، تمامًا كما تُساءل الشركة. فالخصخصة الفاشلة ليست مسؤولية القطاع الخاص وحده، بل مسؤولية مشتركة مع من وقّع العقد، ومن كان يفترض أن يراقب تنفيذه يوميًا ولم يفعل.
الخصخصة ليست خطأ في ذاتها، والقطاع الخاص ليس عدوًا للخدمة العامة. الخطأ هو أن نخصخص التنفيذ ونُبقي الرقابة غائبة، ثم نتفاجأ حين تتحول الشوارع إلى انعكاس لهذا الفراغ. من يريد أن يقنعنا بأن الخصخصة نجاح، عليه أولًا أن يُثبت أنها خضعت لمحاسبة حقيقية، لا أن يكتفي بالإشارة إلى توقيع العقد كدليل كافٍ. فالتوقيع بداية المسؤولية، لا نهايتها.



