في الدول التي تسعى إلى ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، لا تكمن المشكلة دائما في وجود ملفات فساد، بل في الجهة التي تكشفها، والطريقة التي تُدار بها الرواية العامة حولها.
في الأردن، برز خلال الأشهر الأخيرة حساب على منصات التواصل الاجتماعي يحمل اسم "المفتش العام جنرال"، ينشر وثائق ومعلومات تتعلق بشبهات فساد أو تجاوزات إدارية في عدد من المؤسسات الرسمية.
ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال: من هو الجنرال؟ بل أصبح: لماذا باتت منشوراته تتحول إلى محور اهتمام الرأي العام؟
الأكثر إثارة أن عددا من وسائل الإعلام المحلية نقلت مؤخرا أن هيئة النزاهة ومكافحة الفساد باشرت التحقيق في بعض الملفات التي نشرها الحساب، وهو ما منح محتواه زخما إضافيا، ورسخ لدى جزء من الجمهور انطباعا بان ما ينشره يستحق المتابعة الرسمية.
** لكن هنا تظهر قضية أكثر عمقاً من شخصية "الجنرال" نفسها.
فالجنرال، في الواقع، قد لا يكون شخصا بعينه، بل يمكن اعتباره "مهمة". مهمة تقوم على كشف المعلومات، أو إيصال الوثائق، أو ممارسة ضغط إعلامي يدفع المؤسسات للتحرك. ولهذا فإن اختزال الظاهرة في البحث عن هوية صاحب الحساب قد يكون أقل أهمية من فهم الأسباب التي جعلت المجتمع يمنحه هذا القدر من الاهتمام والتأثير.
لقد أصبح واضحا أن الفراغ الإعلامي، أو البطء في تقديم المعلومة الرسمية، يخلق مساحة واسعة تنمو فيها الحسابات المؤثرة، سواء كانت مجهولة أو معلومة الهوية. فعندما يتأخر الرد الرسمي، تتحول الرواية الأولى المنشورة على وسائل التواصل إلى الحقيقة المؤقتة في ذهن الجمهور، حتى لو كانت تحتاج إلى تدقيق أو استكمال.
من هنا، فإن التعامل الحكومي مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن يكون أمنيا أو انفعاليا، بل إعلاميا ومؤسسيا بالدرجة الأولى.
فالإعلام الحكومي اليوم لم يعد مجرد وسيلة لنشر البيانات الرسمية، بل أصبح شريكاً في إدارة الرأي العام. وإذا كانت هناك وثيقة صحيحة، فمن مصلحة الدولة أن تعلن نتائج التحقق منها بسرعة وشفافية. وإذا كانت الوثيقة مضللة، فمن واجبها أن تدحضها بالأدلة، لا أن تتركها تتداول لساعات أو أيام دون رد.
إن توحيد الرواية الإعلامية الحكومية في مثل هذه الملفات أصبح ضرورة وطنية، وليس مجرد خيار إداري. فالمواطن لا يميز بين تصريحات المؤسسات المختلفة، بل يريد رواية واحدة واضحة، تصدر بسرعة، وتستند إلى حقائق قابلة للتحقق.
وعندما تتعدد التصريحات أو تتضارب، أو يصدر الرد من أكثر من جهة دون تنسيق، فإن ذلك يمنح الروايات البديلة مساحة أكبر للانتشار، ويجعل أي حساب على مواقع التواصل يبدو أكثر قدرة على الوصول إلى الحقيقة من المؤسسات الرسمية نفسها.
وفي المقابل، فإن سرعة الاستجابة لا تعني التسرع في إصدار الأحكام. فهناك فرق كبير بين الإعلان عن فتح تحقيق، وبين إدانة أشخاص قبل انتهاء الإجراءات القانونية. ولذلك يجب أن تحافظ الرواية الحكومية على التوازن بين حق المجتمع في المعرفة، وحقوق الأفراد في المحاكمة العادلة وعدم التشهير.
ومن زاوية أخرى، فإن تبني الجهات الرقابية للتحقيق في بعض الملفات المتداولة على المنصات الرقمية يبعث برسالة إيجابية مفادها أن الدولة لا تتجاهل أي معلومة قد تقود إلى كشف فساد، مهما كان مصدرها. لكن الرسالة الأهم يجب أن تكون أن المرجعية النهائية ليست حساباً على منصة اجتماعية، وإنما المؤسسات الدستورية والرقابية والقضائية.
لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي قواعد اللعبة الإعلامية.
فلم تعد الحكومات تحتكر إنتاج الخبر، لكنها ما زالت تملك القدرة على احتكار الحقيقة إذا كانت الأسرع والأكثر شفافية والأوضح في التواصل.
وفي النهاية، قد يختفي "الجنرال" غدا، وقد يظهر عشرات غيره بأسماء مختلفة. لكن القضية الحقيقية ليست في الحسابات المجهولة، بل في البيئة التي تجعلها المصدر الأول للمعلومة لدى الجمهور.
وحين تصبح الرواية الرسمية سريعة، موحدة، شفافة، ومدعومة بالأدلة، فإن تأثير أي حساب مجهول سيتراجع تلقائياً، لأن الثقة ستعود إلى مكانها الطبيعي: مؤسسات الدولة.
ويبقى السؤال الأهم: هل المطلوب مطاردة "الجنرال"... أم بناء منظومة إعلام حكومي تجعل المجتمع لا يحتاج إلى البحث عن "جنرال" جديد كلما أراد معرفة الحقيقة؟



