*
الجمعة: 24 تموز 2026
  • 24 تموز 2026
  • 11:37
رحلة الباص السريع من المحطة إلى البيت حكاية تحتاج إلى اكتمال الطريق
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

خبرني - في صباح عمّاني مزدحم، وقفت أمام محطة الباص السريع أراقب وجوه الناس وهم ينتظرون لحظة الصعود. لم تكن المحطة مجرد مكان للانتظار، بل كانت نقطة تجمع لحكايات مختلفة؛ موظف يحمل حقيبته وينظر إلى ساعته، طالب يراجع أوراقه قبل الوصول إلى جامعته، وأب يحمل يد طفله منتظرًا رحلة أكثر سهولة من زحام الشوارع.

وصل الباص، وبدأ الركاب بالصعود بهدوء. جلست قرب النافذة، وبدأت أتابع المدينة وهي تتحرك خلف الزجاج. كان هناك شعور مختلف؛ فالباص يسير في مساره الخاص، متجاوزًا جزءًا كبيرًا من الازدحام الذي يرهق سكان العاصمة يوميًا. شعرت بأن هذا المشروع لم يعد مجرد وسيلة نقل، بل أصبح خطوة نحو تغيير ثقافة التنقل في عمّان.

من أجمل ما يلمسه الراكب في هذه التجربة هو التنظيم والوضوح؛ فالمحطات مرتبة، والحافلات نظيفة، والرحلة أكثر أمانًا وهدوءًا من كثير من وسائل النقل التقليدية. كما أن الباص السريع يمنح المواطن فرصة لتوفير الوقت والجهد، ويخفف الضغط عن الشوارع، ويقدم خيارًا عمليًا للموظف والطالب وكل من يبحث عن وسيلة نقل موثوقة.

لكن الطريق لا يخلو من بعض التحديات. ففي ساعات الذروة، تمتلئ الحافلات بالركاب، فتقل مساحة الراحة ويصبح الانتظار أكثر صعوبة. وهناك حاجة إلى زيادة عدد الرحلات والحافلات في الأوقات المزدحمة، إضافة إلى تطوير بعض المحطات لتستوعب الأعداد المتزايدة من المستخدمين.

وبينما كنت أجلس قرب النافذة، لفت انتباهي أمر بسيط لكنه مؤثر؛ فقد كانت أشعة الشمس تدخل بقوة إلى داخل الباص، مما يجعل بعض المقاعد معرضة للحرارة العالية، خصوصًا في فصل الصيف. وهنا تظهر أهمية وضع تضليل مناسب على شبابيك الباصات، فالتفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق بين رحلة عادية وتجربة مريحة تلبي توقعات الراكب.

وخلال الرحلة، لم يكن المشهد مقتصرًا على الطريق فقط، بل كان انعكاسًا للمجتمع بكل تنوعه. داخل الباص تجتمع فئات عمرية وثقافية مختلفة، وقد يلاحظ بعض الركاب اختلافًا في أنماط اللباس بين الشباب والفتيات؛ فهناك من يرتدي ملابس رياضية أو سراويل قصيرة، وهو ما قد يراه بعض أفراد المجتمع المحافظ غير منسجم مع العادات والتقاليد السائدة في الأماكن العامة. وبين اختلاف وجهات النظر، تبقى الحاجة قائمة إلى تعزيز ثقافة الاحترام المتبادل ومراعاة خصوصية المجتمع، بحيث يشعر الجميع بالراحة ضمن هذا الفضاء المشترك.

غير أن أهم ما يحتاجه الباص السريع حتى تكتمل حكايته هو الحلقة التي تصل المحطة بالبيت. فالراكب قد يصل بسرعة إلى المحطة، لكنه يحتاج بعد ذلك إلى وسيلة نقل صغيرة تقربه من مكان سكنه. ومن هنا تأتي أهمية توفير باصات شتل أو مركبات سرفيس منظمة عند كل محطة، تكون مهمتها نقل الركاب إلى الأحياء القريبة.

فالمواطن يحتاج في الصباح إلى وسيلة توصله من الحي إلى المحطة بسهولة حتى يبدأ يومه دون تأخير، ويحتاج في المساء إلى وسيلة تعيده من المحطة إلى منزله دون انتظار طويل أو عناء البحث عن وسيلة أخرى. عندها فقط تصبح الرحلة مكتملة؛ من باب المنزل إلى المحطة، ومن المحطة إلى مكان العمل أو الدراسة، ثم العودة بالطريقة نفسها.

إن نجاح الباص السريع لا يقاس فقط بسرعة انتقاله بين المحطات، بل بقدرته على تقديم رحلة متكاملة يشعر فيها الراكب بالراحة منذ لحظة خروجه من منزله وحتى عودته إليه. فالنقل الحديث ليس مركبة تسير على الطريق فقط، بل منظومة متكاملة تحترم وقت الإنسان وراحته واحتياجاته.

وعندما وصلت إلى محطتي الأخيرة، أدركت أن الباص السريع يحمل قصة مدينة تتغير. فيه جوانب مشرقة تستحق التقدير، وملاحظات تحتاج إلى تطوير، ومقترحات يمكن أن تجعل التجربة أكثر نجاحًا. إنها رحلة ليست بين مكانين فقط، بل بين واقع نعيشه ومستقبل نأمل أن يكون أكثر سهولة وتنظيمًا.

فالباص السريع اليوم يحمل الركاب في شوارع عمّان، لكنه يحمل معهم أيضًا حلمًا بسيطًا: أن تبدأ الرحلة بسهولة، وأن تنتهي براحة، وأن يكون الطريق كله جزءًا من تجربة تستحق أن تُروى..

مواضيع قد تعجبك