*
الاربعاء: 15 تموز 2026
  • 15 تموز 2026
  • 12:19
دولة الرئيس الأردن يستحق وجوهاً جديدة
الكاتب: ماهر ماجد البطوش

لم يعد الحديث في الأردن عند كل تعديل وزاري يدور حول البرامج أو الأولويات، بل أصبح السؤال الأول: "مين راح يرجع وزير هالمرة؟ والمفارقة أن كثيراً من هذه التوقعات تصيب، ليس لأن الأردنيين يجيدون قراءة الغيب، وإنما لأن المشهد أصبح مألوفاً؛ أسماء تغادر لتعود، وأخرى تنتقل من وزارة إلى أخرى، حتى أصبح الأمر وكأنه عُرف سياسي غير مكتوب.

لا أحد ينكر أن بين الوزراء السابقين شخصيات وطنية قدّمت الكثير، ومن الظلم اختزال تقييمها بمجرد تكرار وجودها. لكن في المقابل، من حق الأردنيين أن يتساءلوا: هل ضاقت الدولة بكل ما فيها من جامعات، وقضاة، وأساتذة، وخبراء، وإداريين، وقيادات شابة، حتى بقيت الخيارات تدور في الدائرة ذاتها؟

الدستور الأردني في المادة (35) منح رئيس الوزراء صلاحية التنسيب بتعيين الوزراء، وهي صلاحية دستورية واسعة، لكنها في الوقت ذاته مسؤولية وطنية كبيرة. فالمعيار الحقيقي لا يكمن في ممارسة هذه الصلاحية، وإنما في كيفية توظيفها للوصول إلى الأكفأ والأقدر على خدمة الوطن، بعيداً عن الصورة النمطية التي رافقت تشكيل الحكومات لسنوات طويلة.

المشكلة ليست في إعادة وزير نجح في موقعه إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وإنما عندما يصبح تدوير الأسماء هو القاعدة، بينما تتحول إتاحة الفرصة لكفاءات جديدة إلى الاستثناء. هنا تبدأ ثقة الناس بالتراجع، ويترسخ لدى كثيرين انطباع بأن الوصول إلى المنصب العام لا يقوم دائماً على المنافسة والجدارة، وإنما على البقاء داخل دائرة يعرفها الجميع باسم "المطبخ السياسي".

هذا الانطباع، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، يترك أثر حقيقي على ثقة الشباب بالدولة. فكيف نقنع آلاف الأكاديميين، والقضاة، والخبراء، وأصحاب الإنجاز بأن المستقبل مفتوح أمامهم، إذا كانت الوجوه نفسها تتكرر مع كل حكومة؟ وكيف نبني قيادات الصفين الثاني والثالث إذا لم نمنحها فرصة تحمل المسؤولية؟

إن جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم رسم منذ سنوات ملامح الدولة التي يريدها من خلال أوراقه النقاشية، حين أكد أن معيار الوصول إلى المسؤولية يجب أن يكون الجدارة والاستحقاق، وأن الدولة الحديثة تقوم على تمكين الكفاءات، وتوسيع قاعدة المشاركة، وبناء مؤسسات قادرة على إنتاج قيادات جديدة. كما جاء مشروع التحديث السياسي والإداري ليؤكد أن الاستثمار الحقيقي ليس في تدوير المناصب، بل في اكتشاف الطاقات الوطنية وإعطائها الفرصة.


دولة الرئيس الدكتور جعفر حسان ..

منذ تكليفكم تابع الأردنيون أداءكم الميداني، ورأوا رئيس وزراء لا يكتفي بالمكاتب والتقارير، بل ينزل إلى الميدان ويتابع المشاريع بنفسه. وهذا النهج خلق حالة من التفاؤل، ورسخ لدى كثيرين قناعة بأنكم تسعون إلى تقديم الأفضل للأردن، وأنكم تؤمنون بأن الإنجاز يُقاس بالفعل لا بالشعارات.

ولهذا، فإن الأردنيين اليوم ينتظرون منكم أن يكتمل هذا النهج في اختيار الفريق الوزاري أيضاً. فلا أحد يطالب بإقصاء أصحاب الخبرة، لكن الجميع يتطلع إلى توسيع دائرة الاختيار، وفتح الباب أمام كفاءات وطنية لم تُمنح الفرصة بعد، رغم ما تمتلكه من علم وخبرة ونزاهة وقدرة على الإنجاز.

إن تجديد الفريق الوزاري لا يعني القطيعة مع الماضي، بل يعني بناء المستقبل. فالدول التي تتقدم هي التي تجمع بين الخبرة والتجديد، وتؤمن بأن المنصب العام ليس حكراً على أحد، وإنما مسؤولية يتولاها من يثبت أنه الأقدر على حملها.


دولة الرئيس..

الأردنيون لا يريدون أن يفاجئهم التعديل الوزاري بالأسماء نفسها، بل يريدون أن يفاجئهم بثقة جديدة في أبناء هذا الوطن، وبوجوه تحمل فكراً مختلفاً، وطاقة جديدة، وإيماناً بأن خدمة الأردن حق لكل صاحب كفاءة.

فالأردن لم يكن يوماً فقيراً بالرجال والنساء، وإنما كان وسيبقى غنياً بكفاءاته، وما يحتاجه اليوم هو أن تُمنح هذه الكفاءات الفرصة التي تستحقها.

ربما تكون هذه هي اللحظة المناسبة لصناعة تحول حقيقي؛ فالأردنيون لا ينتظرون مجرد تغيير في أسماء الوزراء، بل ينتظرون رسالة تؤكد أن الدولة تؤمن بكفاءاتها، وأن طريق المسؤولية مفتوح لكل من يملك القدرة والإنجاز. فالأردن أكبر من أن يبقى أسير دائرة محدودة من الأسماء، والمستقبل يحتاج وجوهاً جديدة تحمل فكراً جديداً وروحاً مختلفة.

مواضيع قد تعجبك