كل جمهور يقف أمام شاشة الكرة يحمل في داخله مرآة صغيرة.
يريد أن يرى فيها انعكاس عالم أكثر عدلا، بصرف النظر عن حجم بلده أو وزن اسمه في السجل الرياضي
هذه المرآة لا تُختار
تُورَث من أول مباراة شاهدها الإنسان في طفولته دون أن يعرف لماذا انحاز للون هذا الفريق لا ذاك
انحياز يشبه الحب من أول نظرة، بلا سؤال ولا مقاومة ولا تفسير يُقنع أحدا حين يُسأل عنه لاحقا
ليلة خروج منتخب مصر أمام الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي.
وقف ملايين المشجعين العرب أمام تلك المرآة، ينتظرون صورة واضحة كعادتهم كل مباراة
المرآة عادت مشروخة هذه المرة
والصافرة الأخيرة هي ما أحدث الشرخ
شرخ لم يمسّ الزجاج بقدر ما مسّ قناعة قديمة بأن الحكم لا يفرق بين اسم صغير واسم كبير
وجد ميسي اسمه في قلب الجدل.
أداؤه لم يكن موضع النزاع
المباراة كلها تحولت إلى محور نقاش.
تحولت أعظم سيرة فردية في كرة القدم الحديثة، بين ليلة وضحاها، من مصدر للإلهام إلى مادة للتساؤل.
أي مفارقة أقسى من هذه؟!
تضامن الملايين مع مصر تلك الليلة لم يكن ضد لاعب بعينه
كان انحيازا فطريا لكل صغير يقف أمام كبير يظن أن حجمه وحده كافٍ ليحسم النتيجة قبل صافرة البداية
لعب المنتخب المصري تلك الليلة وكأن كل تسديدة رسالة
مفادها أن الجغرافيا لا تصنع الكفاءة
وأن الاسم الكبير في الملعب المقابل لا يعني أن القانون سيميل معه
هذا الإصرار الذي لم يلن حتى الدقيقة الأخيرة هو ما جعل حجم الخسارة أثقل من رقم على اللوحة
لم يتراجعوا خطوة واحدة قبل الصافرة الأخيرة!
الخطأ التحكيمي قد ينساه الناس مع الموسم التالي...
فالكرة لعبة يديرها بشر، والبشر يخطئون بطبيعتهم.
الأصعب نسيانا أن يتسلل إلى الجمهور شعور، بحسب ما رآه كثير من المتابعين والمحللين، بأن الأسماء الكبيرة قد تحظى بما لا ينبغي أن يحظى به أحد داخل الملعب
طفل مصري صغير كان قد وضع آخر ما تبقى من مصروفه صباح ذلك اليوم على قميص المنتخب
لم يفهم لماذا انتهت الليلة بهذا الصمت الثقيل في بيته
فقط عرف أن أباه لم ينطق بكلمة واحدة بعدها حتى نام
بعد الصافرة الأخيرة، ساد صمت طويل بين ملايين المشجعين العرب
لا جدال... ولا تعليق.
فقط ترقب لتفسير لن يأتي
هذا الصمت وحده كان أبلغ تعليق رياضي شهده الموسم كله!
مصر التي غادرت البطولة تركت خلفها صورة يصعب محوها بسرعة
فريق واجه اسما عالميا بثقله الكامل
ولم يتراجع خطوة واحدة قبل الصافرة الأخيرة
حين تتشقق مرآة الثقة، لا تخسر مباراة واحدة.
تخسر كرة القدم جزءا من عدالتها.
وتخسر اللعبة أجمل ما فيها.



