*
الاحد: 05 تموز 2026
  • 05 تموز 2026
  • 19:18
هيركوليز والعدالة الانتقائية
الكاتب: د . سعيد المومني

في الأسطورة، لم يكن "هيركوليز" يُستدعى إلى المعارك الصغيرة. كان يُطلب منه أن يواجه الوحوش، وينظف الإسطبلات، ويحمل ما لا يحمله البشر. أما عندنا، فيبدو أن بعض الحكومات تريد أن تصنع "هيركوليز" من معركة صغيرة، ومن ملف قابل للاحتواء، ومن استقالة وزير، ثم تقول للناس: انظروا، لقد بدأ الإصلاح.

قضية الوزير السابق خالد البكار يجب أن لا تُقرأ بعين واحدة؛ لا بعين الحكومة التي تريد أن تصنع من الاستقالة مشهداً حازماً، ولا بعين الحملة التي أرادت أن تختصر الفساد كله في رجل واحد، وكأن البلد كانت تنتظر (عطاء تنظيف) حتى تكتشف معنى تضارب المصالح.

أقولها بوضوح: خالد البكار لم يقنعني نائباً، ولا حزبياً، ولا وزيراً. وليس بيني وبين الرجل ما يدفعني للدفاع عنه سياسياً أو شخصياً. لكن العدالة ليست مزاجاً، والنزاهة ليست حفلة بروباغندا، ومكافحة الفساد لا تبدأ حين نختار أضعف حلقة ونعلّق عليها أوساخ المرحلة كلها.

نعم، تضارب المصالح خطأ. ونعم، أن يتقدم ابن وزير لعطاء حكومي، في وزارة أو مؤسسة حكومية، بينما والده عضو في مجلس الوزراء، مسألة لا يجوز تمريرها بخفة. لكن؛ هل هذه هي القصة الكبرى التي تستحق كل هذا الضجيج؟ وهل أصبحنا فجأة دولة حاسمة في النزاهة لأن وزيراً طُلبت منه الاستقالة بسبب مخالفة مدونة سلوك؟ أم أننا أمام مشهد مصنوع بعناية، هدفه ترميم صورة الحكومة أكثر من ترميم ثقة الناس؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية ..

فمدونة السلوك الوزارية ليست فتحاً جديداً ولا اختراعاً سياسياً لهذه الحكومة. جرى الحديث عنها في حكومات سابقة، وكانت دائماً جزءاً من خطاب ضبط العلاقة بين المنصب العام والمصلحة الخاصة. المشكلة في الأردن لم تكن يوماً في نقص النصوص، بل في انتقائية التطبيق. لدينا مدونات، وقوانين، وهيئات، وخطب كثيرة عن الشفافية والنزاهة وسيادة القانون، لكن السؤال الذي يطرحه الناس ببساطة: على من تُطبق؟ ومتى؟ ولماذا الآن؟

منذ عام 1999، تعاقب على الحكومات عدد طويل من الرؤساء، وكلهم تقريباً قالوا في مكافحة الفساد ما لم يقله مالك في الخمر. كل حكومة جاءت وهي تحمل وعداً جديداً بمحاربة الفساد، وكل مرحلة بدأت بخطاب كبير عن النزاهة وحماية المال العام وسيادة القانون. لكن ماذا لمس المواطن فعلاً؟ هل شعر الناس أن المال العام صار مصاناً؟ هل فُتحت الملفات الكبيرة؟ هل حوسب الذين دخلوا مواقع المسؤولية بجيوب عادية وخرجوا بثروات استثنائية؟ أم بقيت المعارك الكبرى مؤجلة، وجرى الاكتفاء بمعارك تصلح للكاميرا؟

إذا كان المطلوب فتح ملف تضارب المصالح، فأهلاً وسهلاً. لكن افتحوه على الجميع. افتحوا دفتر الوزراء، والنواب، والأعيان، وكبار المسؤولين. اسألوا: من أين لك هذا؟ كيف تضاعفت الثروة؟ ما علاقة المنصب بالعطاءات؟ ما علاقة النيابة بالخدمات والمصالح والمقاولات؟ ما علاقة الوزارة بالشركات والواجهات والأقارب والشركاء؟ من استفاد من قربه من القرار؟ ومن حوّل السلطة العامة إلى رافعة خاصة؟

أما أن نختصر كل هذا التاريخ في خالد البكار، فهذه ليست مكافحة فساد، بل صناعة انتصار زائف.

الرجل، إذا أخطأ، فليتحمل مسؤوليته السياسية والإدارية والقانونية. لكن تحويله إلى الفاسد الأكبر في الأردن فيه ظلم له، وخداع للمجتمع أيضاً. لأن الناس حين يرون الدولة تمسك بقصة محدودة وتنفخها حتى تبدو معركة كبرى، بينما يعرفون أن هناك ملفات أكبر وأثقل وأعمق جرى دفنها أو تجاهلها أو تدوير أصحابها، فإنهم لا يزدادون ثقة بالدولة، بل يزدادون قناعة بأن العدالة تُستخدم بالقطعة، وهذا أخطر من الخطأ نفسه.

لا يجوز أن تتحول مكافحة الفساد إلى مسرحية موسمية، ولا يجوز أن يكون الحزم انتقائياً. ولا يجوز أن نرفع مدونة السلوك في وجه وزير، ثم نغض الطرف عن مسؤولين سابقين وحاليين راكموا مصالحهم على ظهر العلاقة الملتبسة بين السلطة والمال والنفوذ. إن كان المعيار هو تضارب المصالح، فليكن معياراً عاماً. وإن كان المعيار هو استغلال الموقع العام، فليبدأ الجرد من القمة إلى القاعدة، لا من الحلقة الأضعف إلى كاميرات الإعلام.

ثم هناك جانب آخر لا بد من قوله: بعض الحملات التي ظهرت في هذه القضية رائحتها ليست بريئة. ليست كل حملة ضد الحكومة طاهرة، وليست كل صفحة ترفع شعار النزاهة مستقلة، وليست كل صرخة على الفساد صرخة حقيقية. في الأردن "حارتنا ضيقة وبنعرف بعض"، ونعرف كيف تُصنع بعض المعارك، وكيف تُدار بعض الصفحات، وكيف تُفتح بعض الملفات في توقيت معين، وتُغلق ملفات أخرى في توقيت آخر.

لذلك، المشكلة ليست في خالد البكار وحده، المشكلة في محاولة بيع الناس صورة تقول إننا أمام لحظة تطهير كبرى.

أن نعلّق على خالد البكار أوساخ المرحلة كلها، ونصفق لرئيس الحكومة كأنه "هيركوليز" خرج من معركة أسطورية، فهذا استخفاف بوعي الناس. نعم، الخطأ خطأ. والفساد فساد. وتضارب المصالح يجب أن يُحاسب. لكن البطولة الحقيقية لا تكون في اصطياد قصة محدودة وتكبيرها، بل في فتح (الدفتر الكبير) الذي يخاف الجميع من الاقتراب منه.

قبل ذلك، نحن لا نحارب الفساد.. نحن فقط نغيّر ديكور المسرح. الإصلاح الحقيقي يبدأ حين لا يبقى في البلد أكبر من السؤال:

من أين لك هذا؟

مواضيع قد تعجبك