*
السبت: 04 تموز 2026
  • 04 تموز 2026
  • 20:21
إلى متى تُدار الدولة بالغموض
الكاتب: عبدالسلام الطراونة

خبرني - في الدول التي تحترم مواطنيها، لا تُولد الثقة من الخطب، بل من الشفافية. أما حين تصبح المعلومة شحيحة، والمعايير غائبة، والتبريرات أكثر من الحقائق، فإن الشك لا يعود خيارًا عند الناس، بل نتيجة طبيعية.

لماذا يشعر الأردني اليوم بأن الأبواب ليست مفتوحة للجميع؟ ولماذا تتكرر الأسماء ذاتها في المناصب العامة، وكأن الوطن لم يعد ينجب الكفاءات إلا من دائرة ضيقة؟ أليس في هذا البلد عشرات الآلاف من أصحاب الخبرة والعلم والنزاهة؟ أم أن الكفاءة وحدها لم تعد كافية للوصول؟

المواطن لا يعرف كيف تُختار القيادات، ولا لماذا يُستبعد هذا ويُقدَّم ذاك، ولا ما هي المعايير التي تجعل شخصًا يغادر منصبه ليعود بعد أشهر إلى منصب آخر، بينما يقضي آخرون أعمارهم في الانتظار دون أن تمنحهم الدولة فرصة واحدة لإثبات أنفسهم. هذا المشهد المتكرر لا يقتل الأمل فحسب، بل يزرع قناعة خطيرة بأن الفرص ليست متكافئة، وأن المناصب أصبحت تدور في حلقة مغلقة.

والأخطر من ذلك أن الملفات العامة تُثار ثم تختفي، والضجيج يعلو ثم يخفت، لكن الحقيقة تبقى غائبة. لا بيانات شافية، ولا نتائج واضحة، ولا تفسير يقنع الناس. وهنا تبدأ الشائعات بالنمو، ليس لأنها أقوى من الحقيقة، بل لأن الحقيقة تأخرت كثيرًا في الظهور.

الثقة لا تُطلب من المواطنين، بل تُكتسب. ولا تُكتسب بالوعود، وإنما بالإفصاح، وبإعلان المعايير، وبفتح أبواب المنافسة العادلة، وبأن يرى الأردني أن الوظيفة العامة ليست إرثًا يتناقله المقربون، ولا جائزة تُمنح للمحظوظين، بل مسؤولية يتولاها الأكفأ.

لا أحد يطالب بتعيين شخص بعينه، ولا بإقصاء آخر، وإنما يطالب بمنظومة واضحة يعرف فيها الجميع لماذا اختير هذا ولماذا لم يُختر ذاك. فحين تغيب المعايير، يحضر الانطباع، وحين تغيب الشفافية، يحضر الشك، وحين تغيب العدالة في الفرص، يحضر الإحباط.

إن أخطر ما قد تواجهه أي دولة ليس النقد، بل فقدان الثقة. لأن المواطن الذي لا يفهم كيف تُدار القرارات، ولا كيف تُوزع الفرص، ولا كيف تُحسم الملفات، يبدأ بالتشكيك في كل شيء، حتى في القرارات التي قد تكون صحيحة.

اليوم، لا يحتاج الأردني إلى مزيد من التصريحات، بل إلى مزيد من الوضوح. يحتاج أن يرى دولة تتحدث بالأفعال قبل الأقوال، تُعلن معاييرها قبل قراراتها، وتفتح أبوابها لجميع أبنائها، لا لفئة اعتادت أن تدور بين المواقع والكراسي.

:الدول لا تخسر حين تواجه النقد، بل حين يصبح الصمت هو الإجابة الوحيدة. فالشفافية ليست منحة تمنحها الحكومات لشعوبها، بل حق للمواطن، وضمانة للدولة، وحصن يحميها من الشائعات قبل أن يحميها من الفساد. وكلما تأخر الوضوح… اتسعت مساحة الشك فالأوطان لا تضعف حين تُصارح شعوبها بالحقيقة… بل تضعف حين تتركهم يبحثون عنها وحدهم.

مواضيع قد تعجبك