*
السبت: 04 تموز 2026
  • 04 تموز 2026
  • 10:07
جعفر حسان افعلها الآن
الكاتب: عماد داود

عشُّ الدبابير لا يُطرَق.

يُقتَحَم.

أو يظلّ معلقا فوق الرؤوس، يلسع كل من يقترب منه، بينما يتظاهر الجميع أنه مجرد ظل.

ما حدث خلال الأيام الماضية لم يكن خبرا عابرا عن وزير غادر موقعه، ولا عن عطاء أُلغي، ولا عن شركة انتهى عقدها، كان اختبارا نادرا لعلاقة الدولة بنفسها.

حين طلب رئيس الوزراء جعفر حسان استقالة وزير العمل على خلفية عطاء تقدمت له شركة يملكها نجله، ثم تزامن ذلك مع إنهاء وزارة الصحة عقد شركة أخرى تعود إلى النجل نفسه وشركائه، لم تعد القضية قضية شخص، لقد أصبحت سؤالا أكبر بكثير: هل نحن أمام معالجة واقعة، أم بداية مراجعة منهج؟

الفساد يُولد قبل أي توقيع، في اللحظة التي يقتنع فيها الناس أن أسماء بعينها فوق السؤال، وأن أبوابا بعينها لا تُطرق، وأن ملفات بعينها تُدفن حية لأنها تحمل أسماء أصحابها!

لهذا، لا تُقاس أهمية ما جرى بعدد القرارات التي صدرت، بقدر ما تُقاس بقدرتها على قيادة مراجعة شاملة للبنية التي سمحت أصلا بتكرار مثل هذه الوقائع.

غادر الوزير، أُلغي العطاء، خسرت الشركة عقدها، تفاصيل تتساقط كأوراق عن شجرة واحدة، بينما جذعها، العش نفسه، يظل قائما في مكانه، ينتظر من يجرؤ على السؤال الأصعب: كيف بُني أصلا؟

منذ زمن قانون من أين لك هذا الذي جُمّد أكثر مما طُبق، ومن محاولات الاقتحام التي حملها رجال مثل أحمد عبيدات وليث شبيلات ودفعوا ثمنها وحدهم بينما بقي الملف مفتوحا.

فالمشكلة في الدول لا يصنعها شخص واحد، يصنعها اعتياد طويل على الاستثناء، سنوات تتكاثر فيها المصالح بصمت، وتتشابك فيها القرابة مع النفوذ، ويصبح تضارب المصالح منطقة رمادية لا يراها أحد، لأن الجميع اعتاد المرور بجانبها.

معركة النزاهة تتجاوز إقالة مسؤول واحد مهما علا موقعه، فحسمها الحقيقي يبدأ حين تملك المنظومة نفسها القدرة على كشف الخلل قبل أن تنشره الصحافة، وقبل أن يلتقطه الرأي العام، وقبل أن يتحول إلى أزمة ثقة.

لدينا من الأدوات ما يكفي.

سجلّات الشركات.

وبيانات المستفيد الحقيقي.

وقواعد البيانات الضريبية والمالية.

وسجلات العطاءات.

كلها قادرة، إذا تكاملت، على رسم خريطة المصالح كاملة، فيتحول تضارب المصالح من احتمال يُكتشف بالمصادفة إلى مخالفة تُمنع قبل أن تولد.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

الشجاعة لحظة تُضيء ثم تخبو مع أول تغيير حكومة، وحدها القوانين والمؤسسات تبقى صامدة بعد أن يرحل من طبّقها، فتتحول الشجاعة العابرة إلى نظام لا يُلغى بتوقيع، ولا يُنسى بمرور الوقت!

لهذا، ما ينتظره الأردنيون اليوم يتجاوز سقوط رأس واحد، إنه قيام قاعدة تصمد بعد رحيل كل الرؤوس.

قاعدة تُذكّر الجميع أن المنصب العام أمانة تُرد لا امتياز يُورث، وأن القرابة رابطة دم لا صك حصانة، وأن كل دينار عام يحمل اسم الدولة وحدها، مهما تعددت الأسماء التي مرت بجانبه!

عندها فقط، يصبح ما جرى نقطة تحول لا حادثة عابرة، وعندها فقط، يتحول اقتحام عش الدبابير من موقف شجاع إلى بداية ثقافة جديدة في إدارة الدولة.

تتبخر من ذاكرة التاريخ أسماء الوزراء، وأرقام العطاءات، وعناوين الشركات، كأنها لم تكن، ويبقى محفورا فيه شيء واحد فقط: اللحظة التي وقفت فيها دولة أمام مرآتها، فلم تُشِح بنظرها!

دولة الرئيس..

لقد فُتح الباب.

المجد السياسي لا يُكتب على الباب، إنما يُكتب في العمق، عند من دخل ولم يتراجع، حتى أطفأ آخر خلية في العش، وخرج ويداه ما زالتا تحملان رائحة الدخان!

فهل يُواجَه العش كاملا، أم يبقى معلقا فوق الرؤوس، يلسع كل من يقترب منه، بينما يتظاهر الجميع أنه مجرد ظل؟

مواضيع قد تعجبك