*
الاحد: 28 حزيران 2026
  • 28 حزيران 2026
  • 20:13
الحسين بن عبدالله الكفة الثالثة
الكاتب: عماد داود

وُلد الحسين بن عبدالله في الثامن والعشرين من حزيران.
والميزان لم يهتزّ!

الأردن وطن يمشي على ميزان منذ أن رُسمت حدوده؛ ميزان بين الصحراء والمدينة، بين القبيلة والدولة، بين فلسطين التي تنزف على حدوده، وسوريا التي اشتعلت فوقه، والعراق الذي ظلّ يغلي خلفه.

في هذا المكان، لا يملك أحد رفاهية الخطأ.

فالخطأ هنا...
لا يُصحَّح.
يُدفن.

الثقل الأول وضعه عبدالله الأول بن الحسين؛ رجل أخذ إمارة ناشئة، وصنع منها دولة سبقت إمكاناتها. ورحل قبل أن يرى إلى أين ستميل الكفة.

والثقل الثاني وضعه الحسين بن طلال؛ ملك حكم ستة وأربعين عاماً، بيد تمسك السلام، وبأخرى تمسك الدولة، حتى صار بقاء الأردن، في منطقة لا تعرف البقاء، إنجازاً بحدّ ذاته.

قال ذات يوم، وهو يرى أردناً فقير الموارد غني الرجال:
"الإنسان أغلى ما نملك."

لم يكن يلقي خطاباً.
كان يضع في الميزان ما هو أثقل من الجيوش.

وعُرف عنه ما هو أقسى وأصدق:
"الشعب بدون أرضه: جالية."

وهكذا عرف الأردنيون أن الإنسان والأرض كفتان؛ لا قيمة لواحدة دون الأخرى.

والثقل الثالث يضعه عبدالله الثاني بن الحسين كل يوم؛ يحمل دولة تتزاحم فوق كتفيها الأزمات، ويصرّ أن يبقى الميزان مستقيماً. وحمل من أبيه وصية غير مكتوبة، فأضاف إليها:
على قدر العزم.

وقال لشعبه ما يستحق أن يُنقش:
"الأردنيون حدودهم السماء!"

ثم... دخل الميزان جيلاً جديداً.

حين وُلد الحسين، لم يكن الشرق الأوسط يحتفل.
كان يعيد كتابة حرائقه.

العراق يشتعل. وفلسطين ما تزال سؤالاً بلا جواب. والأردن يقف، كعادته، في المنتصف.

ذلك المنتصف الذي لا يمنح أصحابه راحة...
لكنه يمنحهم معنى!

وُلد الطفل في هذا المنتصف. ولم يختره. لكن المنتصف اختاره، كما اختار كل من حمل مسؤولية هذا البيت قبله.

أنا ابن الزرقاء

أبي كسر الحجارة في المحجر، ولم ينكسر.

وأمي — رحمها الله — كانت، كلما ظهر خبر عن الأسرة الهاشمية، تقول بهدوء يشبه الدعاء:
"الله يحفظ هالبيت."

لم تكن تعني القصر.
كانت تعني الميزان!

وأنا ابن الميزان أيضاً؛ وُلدتُ تحت هذا البرج الذي لا يؤمن بالمنتصرين فقط، بل يؤمن بعدل توزيع الثقل. ولهذا، ربما، لم تكن استعارة الكفة مصادفة حين وقعت على لساني.

فالأردنيون، في بساطتهم، يدركون ما قد تغفله كتب السياسة:
إذا اختلّ ميزان هذا البلد، فلن يسقط وحده.
سيسقط معه شيء من توازن هذه المنطقة كلها.

لهذا يدعون. لا خوفاً من الغد. بل معرفة بثمن استقامة الدولة.

حين تكلّم الكفة

حين صعد النشامى إلى كأس العالم للمرة الأولى في التاريخ، كان يمكن للحسين بن عبدالله أن يحتفل كما يحتفل الجميع.
لكنه اختار أن يُعلّم.

قال — وهو يرى الشماغ الأردني على أكتاف الأصدقاء والمنافسين ورجال الأمن في ملاعب العالم:
"لم نكسب نقاطاً، لكننا كسبنا باحترام العالم لنا... لم نخسر شيئاً، بل كسبنا 11 قدوة لـ 12 مليون أردني."

هذه ليست مجاملة. هذا رجل يعرف كيف يقرأ الميزان.
يعرف أن الرمز قد يوازي الانتصار. وأن الحضور اللائق في العالم أثقل أحياناً من النقطة في جدول الترتيب.

وأضاف بما يكشف ما يراه في جيله:
"طموح الأردنيين حالة استثنائية."

لم يقلها من فوق. قالها من داخل.

ما الذي يضعه الحسين في كفته؟

تعلّم الحسين بن عبدالله الميزان من وطن يعرف أن الغد لا يُترك للمصادفة.

يضع فيها جيلاً لا يرى العالم من النوافذ؛ بل يعيشه من الداخل، ويتحدث بلغته، ويفكر بأدواته.

جيلٌ لا يكتفي بأن يُحكَم جيداً.
يريد أن يُشارَك في صنع ما يأتي.
لا يطلب رعاية.
يطلب شراكة.

يريد أن تتحول الموهبة مشروعاً، والطموح فرصة، والابتكار اقتصاداً. وأن تكون الجامعة محرك إنتاج لا مصنع شهادات.

والدولة الذكية لا تُقاس بما تنتجه من سلع.
تُقاس بما تنتجه من أفكار.
وبما تُنتجه من رجال!

"الإنسان أغلى ما نملك" لم تكن شعاراً يُعلَّق على الجدران.
كانت وصية تتوارثها الكفة.

وهذا ما يضعه الحسين بن عبدالله في كفته؛ أن يظل الإنسان الأردني مشروع الدولة الأول.
لا في الخطب.
في الفعل!

القادة لا يولدون يوم ولادتهم.
يولدون يوم يصبح وجودهم جزءاً من معادلة الوطن!

والحسين بن عبدالله الثاني، في زمن يمتلئ بالأسئلة، جواب على السؤال الذي لا يُقال بصوت مرتفع:
ماذا بعد؟

والأردن، حين يسأل هذا السؤال، لا يريد جواباً يريحه.
ولا جواباً يخيفه.
يريد جواباً يمنحه الطمأنينة!

طمأنينة من يعرف أن المستقبل لا يُورث.
بل يُبنى.

وأن الدول لا تعيش بما ورثته.
بل بما تُحسن تسليمه.

وفي كل ثامن وعشرين من حزيران، لا يراجع الأردن عمر رجل.
يراجع عمر فكرة.

ولهذا، لا يبدو ميلاد الحسين بن عبدالله مجرد مناسبة في بيت هاشمي.
بل لحظة يتأمل فيها الأردنيون مشروعهم الوطني، ويسألون أنفسهم سؤالاً واحداً:

هل ما يزال الميزان مستقيماً؟

وحتى الآن...
ما يزال.

مواضيع قد تعجبك