خبرني - وضعت قرعة نهائيات كأس العالم 2026 المنتخب الجزائري في المجموعة العاشرة، رفقة الأرجنتين والأردن والنمسا. وهي المجموعة الوحيدة، التي تضم منتخبين عربيين، إلى جانب حامل اللقب العالمي. ولكن مواجهة منتخب النمسا لها رمزية خاصة بالنسبة للجزائريين. فهي تذكرهم بما يعتبرهم كثيرون واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ المونديال.
بعد 43 سنة، لا يزال الجزائريون يذكرون في أحاديثهم، عن نهائيات كأس العالم، "فضيحة خيخون". إنها المباراة التي جمعت بين منتخبي ألمانيا الغربية (وقتها) والنمسا، في دور المجموعات بنهائيات كأس العالم 1982 في إسبانيا. انتهت المواجهة، التي أطلق عليها اسم "مباراة العار" بفوز ألمانيا الغربية بهدف مقابل صفر.
أدت تلك النتيجة إلى تأهل ألمانيا الغربية والنمسا معا إلى الدور الثاني، وخروج الجزائر من المنافسة، على الرغم من فوزها بمباراتين اثنتين. ودفعت بالاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا إلى تغيير قوانينه التنظيمية، وإجراء المباريات الأخيرة في دور المجموعات في وقت واحد.
أول فوز عربي وأفريقي على الأوروبيين
تأهلت الجزائر لأول مرة إلى نهائيات كأس العالم في 1982 بإسبانيا. وأحدث المنتخب الجزائري أكبر مفاجأة في الدورة بفوزه، في المباراة الأولى، على المنتخب الألماني بهدفين مقابل هدف واحد. وحقق بذلك أول فوز عربي وأفريقي على منتخب أوروبي، في نهائيات كأس العالم.
وسجل هدف التقدم للجزائر رابح ماجر في الدقيقة 54، ثم عادل كارل هانس رومينيغي النتيجة في الدقيقة 67. وبعد دقيقة واحدة سجل لخضر بلومي هدف الفوز لمنتخب بلاده. ولا تزال تلك المباراة راسخة في أذهان الجزائريين، إلى اليوم، إذ يعدونها ضمن إنجازات منتخبهم التاريخية.
ويتفق أغلب العارفين بكرة القدم الجزائرية على أن منتخب 1982 هو أحسن منتخب جزائري على الإطلاق. شكله جيل من اللاعبين المتميزين. تركوا بصماتهم في الملاعب العالمية. من بينهم لخضر بلومي، الفائز بالكرة الذهبية، لأحسن لاعب في أفريقيا عام 1981، والذي يعده الكثيرون أحسن لاعب في تاريخ الكرة الجزائرية.
"صالح عصاد أستاذ رونالدينيو"
وعندما تتحدث مع الجزائريين عن مهارات البرازيلي رونالدينو، الفائز بالكرة الذهبية العالمية 2005، ومرواغة "إيلاستيكو" الساحرة، التي تنسب إليه، فسيضحكون منك. فهم يجزمون أن صالح عصاد هو مخترع هذه المراوغة. وتعرف باسم "الغراف" في الجزائر وفي الدوري الفرنسي، منذ السبعينات والثمانينات.
واستعرض عصاد مهاراته الفنية، ومنها مراوغة "الغراف" القاتلة، في مباراة الجزائر أمام ألمانيا الغربية. وأسال العرق البارد للمدافع الألماني العملاق، مانفريد كالتس. وصنع هدف الفوز بتمريرة غاية في الدقة، من الجناح الأيسر إلى بلومي، الذي دفع بالكرة في شباك الحارس هارالد شوماخر.
ويذكر صاحب "الغراف"، في أحاديثه الإعلامية، أنه تلقى بعد المباراة تهنئة شخصية من أسطورة كرة القدم البرازيلية والعالمية بيليه، الذي اعتبره من أحسن المهاجمين في الدورة. وأشاد بفنياته وهنأه على أدائه أيضا القيصر، فرانز بيكامباور، قائد المنتخب الألماني، الفائز بكأس العالم 1974.
وضم منتخب الجزائر 1982 أسطورة نادي باريس سان جيرمان الفرنسي، وهدافه التاريخي، مصطفى دحلب. وصخرة دفاع نادي بوردو الفرنسي، نور الدين قريشي، ونجم نادي كورتريك البلجيكي، جمال زيدان. ومن الدوري المحلي التاج بن سحاولة، ومحمود قندوز، والحارس مهدي سرباح، والقائد علي فرقاني.
وانبهر المعلقون الأوروبيون بأداء رجل المباراة، شعبان مرزقان، ومهاراته الفنية والبدنية الهائلة. وكيف سيطر تماما على الرواق الأيمن من الملعب. وكاد أن يسجل الهدف الثالث في الدقيقة 88 عندما انطلق بالكرة من مركزه الدفاعي متجاوزا جميع اللاعبين الألمان في طريقه، ليصل وجها لوجه مع الحارس شوماخر.
أول عربي وأفريقي يسجل في نهائي الكأس الأوروبية
وفي 1987 أصبح رابح ماجر أول لاعب عربي وأفريقي يسجل في نهائي كأس الأندية الأوروبية. عادل النتيجة بالكعب لنادي بورتو أمام بايرن ميونيخ، في الدقيقة 77. وتعرف تلك الحركة الفنية، منذ ذلك الوقت، في الأوساط الكروية وبين الجماهير بطريقة ماجر. وأصبح أول عربي وأفريقي يتوج بالكأس الأوروبية.
بعد الفوز على ألمانيا، تعثر المنتخب الجزائري وخسر بهدفين مقابل صفر في المباراة الثانية أمام النمسا. ولكنه تدارك الأمر في المباراة الأخيرة أمام منتخب تشيلي. وفي نهاية الشوط الأول كانت الجزائر متفوقة بثلاثة أهداف مقابل صفر، من تسجيل صالح عصاد في الدقيقة 7 والدقيقة 31، والتاج بن سحاولة في الدقيقة 35.
وكان المنتخب الجزائري يحتل بذلك صدارة المجموعة، بأربعة نقاط، متساويا مع المنتخب النمساوي، الذي يلعب مباراته الأخيرة أمام ألمانيا الغربية. ولكن في الشوط الثاني سجل فريق تشيلي هدفين في مرمى الجزائر. وانتهت المباراة بفوز الجزائر بثلاثة أهداف مقابل هدفين.
وفاز المنتخب الألماني على تشيلي بأربعة أهداف مقابل هدف واحد، ليصبح رصيده نقطتين (كان الفوز وقتها بنقطتين)، ويحتل المركز الثالث. ولضمان التأهل إلى الدور الثاني، كان عليه أن يفوز على النمسا. أما المنتخب النمساوي فيكفيه تجنب الخسارة أمام ألمانيا، بفارق أكبر من هدفين.
وأي نتيجة أخرى بين ألمانيا الغربية والنمسا كانت ستجعل الجزائر أول منتخب عربي وأفريقي يتأهل إلى الدور الثاني من نهائيات كأس العالم. ولو حصل ذلك، لواجه المنتخب الجزائري، في طريقه، غريمه الفرنسي، في مباراة طالما حلمت بها الجماهير الجزائرية، وخططت لها في مخيلتها.
"فضيحة خيخون"
يوم 25 يونيو حزيران، كان ملعب المولينون، بمدينة خيخون، مكتظا بأكثر من 40 ألف متفرج. الأجواء مشحونة. الجماهير الألمانية على أعصابها لأن منتخبها كان الأقرب إلى الإقصاء من الدور الأول. أما المشجعون النمساويون فكانوا يرون فيها فرصة لإخراج الغريم الألماني من المنافسة.
ففي نهائيات كأس العالم 1978 بالأرجنتين، فاز منتخب النمسا على ألمانيا الغربية بثلاثة أهداف مقابل هدفين، وخرج المنتخبان معا من المنافسة في الدور الثاني. وما كانت الجماهير النمساوية تتمنى تحقيقه في ملعب خيخون هو إحراج الجيران مرة أخرى، وإرسالهم وحدهم إلى البيت.
وفي ركن ثالث من مدرجات الملعب تجمعت أعداد غفيرة من المشجعين الجزائريين، يحملون، فوق أعلامهم وعبر أهازيجهم، أحلاما مجنونة، بعدما ألحق ثعالب الصحراء هزيمة بالغول الألماني. وأصبحت الجزائر قاب قوسين أو أدنى من كتابة صفحة جديدة في تاريخ كرة القدم العالمية.
حطم اللاعبون الجزائريون في 1982 أسطورة التفوق الأوروبي على العرب والأفارقة. ومرغوا في "أرضية خيخون" عنجهية اللاعبين الألمان ومدربهم يوب درفال، الذي توقع قبل المباراة الفوز على الجزائر بثمانية أهداف مقابل صفر. وتعهد لاعبوه استهزاء "بإهداء الهدف السابع لزوجاتهم، والهدف الثامن لكلابهم".
وعندما سئل درفال إذا كان شاهد المنتخب الجزائري قبل مواجهته في خيخون، قال إنه أعد فعلا أشرطة فيديو لمباريات المنتخب الجزائري في كأس أمم أفريقيا في ليبيا 1981، وفي المباريات الودية التحضيرية لكأس العالم. ولكنه لم يدرسها مع لاعبيه، لأنهم "كانوا سيسخرون منه لو طلب منهم ذلك".
الحقيقة أن لاعبين مثل بلومي وماجر و عصاد ومرزقان، وبن سحاولة كانت مهاراتهم وقدراتهم الفنية والبدنية تؤهلهم للعب في أكبر الأندية الأوروبية. ولكن القوانين الجزائرية كانت وقتها تمنع اللاعبين الشباب من الاحتراف خارج البلاد. وعندما أتيحت لهم الفرصة أثبتوا للعالم أنهم قادرون على منافسة الكبار والتفوق عليهم.
لم تكن مباراة نهائيات كأس العالم 1982 في إسبانيا أول مباراة يفوز بها المنتخب الجزائري على المنتخب الألماني. بل فازت الجزائر على ألمانيا الغربية، بهدفين مقابل صفر، في مباراة ودية، جرت بالجزائر عام 1964. سجل الهدفين ماحي خنان، وأحمد وجاني.
"لم أرَ في حياتي مباراة مثلها"
تحدثت في 2021 إلى بوب فالناتين، الحكم الاسكتلندي، الذي أدار مباراة ألمانيا والنمسا، في نهائيات كأس العالم 1982 في إسبانيا. على الرغم من تقدمه في السن، رحب بالحديث معي. قال لي: "لم أر في حياتي مباراة مثلها. لا يمكن أن أنساها. إنها المباراة التي غيرت كرة القدم إلى الأبد".
"ما حدث في خيخون يوم 25 يونيو حزيران عار أخجل المشرفين على كأس العالم. أمر مخجل حقا. دفعهم إلى تغيير القوانين". كل شيء بدا له غريبا فوق أرضية الميدان. من البداية إلى النهاية. سألته عن دوره وهو يرى اللاعبين الألمان والنمساويين فوق أرضية الميدان. قال لي: "أديت واجبي، ولم يكن بوسعي أن أفعل أي شيء".
ليس في قانون كرة القدم ما يعاقب اللاعبين إذا لم ينخرطوا في تنافس حقيقي، مثلما هي الحال في رياضات أخرى. ولكن معلق قناة آي تي في البريطانية، هيو جونز، طالب وقتها الحكم، بوب فالنتاين، بإخراج بطاقاته لكل لاعب فوق أرضية الميدان، "لأنهم جميعا أهانوا كرة القدم، وشوهوا سمعتها".
"كأنني أرى لصوصا"
ويتابع جونز تعليقه على صور نهاية المباراة: "برايتنر يمرر الكرة إلى بريغل، وبريغل يمررها إلى شتيليكي، لاعبون كبار، ألوك أسماءهم الآن بلساني فأجد طعمها علقما. كأنني أرى لصوصا يسرقون محفظة من امرأة عجوز. يا لها من لحظات مقرفة، يا لها من لحظات بغيضة".
شاهدت المباراة على شاشة التلفزيون وأنا طفل صغير. لم نفهم ما حدث وقتها. شرح لنا الكبار أن ألمانيا "تآمرت" مع النمسا لإقصاء الجزائر من المونديال. وبكينا كثيرا بعد نهاية المباراة. وشاهدتها عشرات المرات على الانترنت. وقرأت كل تفاصيلها الفنية، في أكثر من مصدر تحليلي متخصص.
الواقع أن المباراة كلها لعبت في 10 دقائق لا أكثر. كان المنتخب الألماني بحاجة إلى الفوز على النمسا، وإلا حزم اللاعبون حقائبهم وعادوا إلى بلادهم. وهو ما فعلوه عندما سجل هورست روباش هدفا برأسه في مرمى المنتخب النمساوي، من توزيعة بيير ليتبارسكي.
وبعدها توقفت المباراة تماماً. هذا ما تقوله التقارير الإعلامية، ونراه في صور المباراة. اللاعبون الألمان والنمساويون يمررون الكرة دون أي جهد، أمام دهشة الجميع. كرات عرضية، وتمريرات خلفية بلا معنى. في أحد المقاطع نرى لاعب المنتخب الألماني، بول برايتنر، يمشي بالكرة في وسط الميدان، ولا أحد يقترب منه.
وفي الدقيقة 52 من المباراة، يظهر مهاجم المنتخب الألماني، كارل هانس رومينيغي، وهو يمرر كرة طويلة إلى منطقة دفاعه، دون سبب منطقي. وكذلك يفعل مهاجم المنتخب النمساوي، هانس كرانكل، بكرة خلفية من منطقة الفريق المنافس إلى منطقة فريقه بلا هدف، إلا تضييع الوقت.
"عار عليكم.. اخرجوا. اخرجوا"
وفي عدد من اللقطات يحاول اللاعبون إظهار نوع من الجدية في اللعب، والانطلاق في هجمات تبدو خطيرة، ولكنها كلها حركات مضبوطة يعرف اللاعبون المحترفون كيف يسيطرون عليها. فتنتهي الكرة بعيدا عن الهدف، ولا تهدد بأي حال من الأحوال مرمى الفريق المنافس.
وفي نهاية الشوط الأول يظهر لاعب ألماني آخر في مشهد غريب. يضع ذراعه على رقبة لاعب نمساوي، وهما يتجاذبان أطراف الحديث باتجاه غرف تغيير الملابس. بعد نصف ساعة ذاق الجمهور ذرعا مما كان يراه. وارتفعت أصوات الصفير والاستهجان من جميع أركان الملعب.
وردد المتفرجون كلهم بصوت واحد "الجزائر، الجزائر، الجزائر". "عار عليكم، اخرجوا. اخرجوا". ويظهر في الصور مشجع ألماني ساخط وهو يحرق علم بلاده. ورفع المشجعون الجزائريون والإسبان أوراقا نقدية في أيديهم، في إشارة إلى "ترتيب نتيجة المباراة" بين المنتخبين الألماني والنمساوي، لإقصاء الجزائر.
ففي الشوط الثاني كله، شاهدنا ثلاث تسديدات فقط من لاعبي الفريقين. لم تصب أي منها مرمى الفريق المنافس. ولم يتدخل اللاعبون الألمان خلال الشوط الثاني كله إلا 8 مرات لمحاولة انتزاع الكرة من المنافس. وهذا لا يحدث عادة إلا في التدريبات الخفيفة أو في حصص استعادة اللياقة البدنية.
والمؤشر الآخر على أن المواجهة كانت "بيضاء" بين المنتخبين أي ليس فيها تنافس حقيقي، ولا الوتيرة العالية التي نتوقعها في مباريات كأس العالم، هو نسبة دقة التمريرات. ولا تقارب هذه النسبة التسعين في المئة إلا عند فئة من اللاعبين المتميزين المعروفين بالرزانة الخارقة للعادة، أو في التدريبات.
الذي حدث في مباراة ألمانيا الغربية والنمسا في كأس العالم 1982 هو أن منتخب النمسا سجل نسبة 99 في المئة في دقة تمريرات لاعبيه. أما المنتخب الألماني فكانت دقة تمريرات لاعبيه بنسبة 98 في المئة. وهذا يعني أن اللاعبين كانوا يمررون الكرة فيما بينهم بهدوء تام، ودون أي ضغط من المنافس.
ولكن هذه التمريرات العرضية والكرات الخلفية "المتناهية في الدقة" تختفي تماما في الثلث الأخير من الملعب. فباستثناء رأسية روباش "التدريبية"، التي سجل بها الهدف، في الدقيقة 11، لم يسدد اللاعبون الألمان والنمساويون، في 80 دقيقة المتبقية، ولو كرة واحدة باتجاه الهدف.
معلق التلفزيون النمساوي ينسحب
وفي التلفزيون النمساوي، الذي كان يبث المباراة مباشرة، طلب المعلق، روبرت سيغر، من المشاهدين إغلاق جهاز التلفاز، وسكت عن التعليق طوال المباراة حتى صافرة النهاية. أما المعلق في التلفزيون الألماني، إيبرهارت ستانييك، فقال: "ما يحدث هنا عار. ولا علاقة له بكرة القدم. ليس كل غاية تبررها أي وسيلة".
وفي نهاية المباراة، توجهت أعداد غفيرة من المشجعين الألمان إلى الفندق، الذي يقيم فيه منتخب بلادهم وحاولوا اقتحامه، للتعبير عن سخطهم مما حدث في "مباراة العار". ورشقوا غرف اللاعبين بالبيض. وأفسدت "فضيحة خيخون" العلاقة بين المنتخب الألماني وجمهوره لسنوات طويلة.
وتناولت الصحف الدولية "فضيحة خيخون" في صدر صفحاتها الأولى. وكتبت صحيفة ألمانية في عنوانها الرئيسي "عار عليكم". وعنونت صحيفة إسبانية تقريرها عن المباراة بكلمة "أنشلوس" الألمانية. وهي إشارة ساخرة إلى ضم ألمانيا النازية للنمسا في مارس آذار 1938.
تقرير المباراة في صفحة الجرائم
وفي تعليق بالصحف الألمانية، وصف اللاعب الألماني السابق، ويلي شولتز، اللاعبين النمساويين والألمان في تلك المباراة بأنهم "قطاع طرق". وقال إنهم "تآمروا" من أجل إقصاء الجزائر. ونشرت صحيفة إل كومارسيو المحلية في خيخون تقريرها عن المباراة في صفحة الجرائم.
"لم تكن أمامنا وسيلة أخرى"
تقدم رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم، الحاج سكال، بشكوى رسمية للفيفا. وبعد اجتماع دام ثلاث ساعات ونصف، ردت اللجنة المنظمة لكأس العالم بأنها "لا تستطيع تغيير نتيجة المباراة". وقرر الاتحاد الدولي بعدها إجراء المباريات الأخيرة من الدور الأول في وقت واحد، حتى لا تتكرر "فضيحة خيخون".
في الجزائر، امتزج الاحساس "بالظلم" بمشاعر العزة والفخر. يعتقد الجزائريون اعتقادا راسخا أن التأهل إلى الدور الثاني "سرق" منهم في خيخون أمام أعين العالم. ولكنهم يجدون تسلية في أن منتخبا عربيا وأفريقيا هزم الألمان، ودفع بهم إلى "التآمر" مع النمساويين لإقصائه.
هذا ما عبر عنه الظهير الأيمن الصلب مرزقان، تعليقا على الطريقة، التي خرج بها المنتخب الجزائري من مونديال إسبانيا: "عندما نرى قوتين عظيمتين تنحدران بأخلاقهما إلى هذا المستوى لإقصائنا، فإن ذلك يزيدنا عزة وفخرا. تأهلوا بخزي وعار. وخرجنا من المنافسة رؤوسنا مرفوعة".
خرج منتخب النمسا من المنافسة في الدور الثاني بهزيمة أمام فرنسا. أما المنتخب الألماني فواصل مشوراه إلى المباراة النهائية. وخسرها أمام المنتخب الإيطالي بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد. وتحمل اللاعبون الألمان ومدربهم درفال، طوال المنافسة، سيولا من الأسئلة والاتهامات بشأن "التآمر" على إقصاء الجزائر.
لم يعترف اللاعبون الألمان والنمساويون وقتها بترتيب نتيجة المباراة على حساب المنتخب الجزائري. وفسروا أداءهم "المشبوه" بالغاية التي تبرر الوسيلة. وقال المدرب درفال صراحة: "كنا نريد التأهل وليس لعب كرة القدم". وكذلك قال المهاجم النمساوي، كرانكل: "وصلنا إلى الدور الثاني، ولا يهمني الألمان في شيء".
التقيت الحارس الألماني شوماخر في 2008. دعي لحضور حفل تسليم جائزة الكرة الذهبية لأحسن لاعب في الجزائر، رفيق صايفي. وجدته رجلا ظريفا محبا للنكتة. قلت له مازحا إن "هذا الجيل من الجزائريين يعرفون مايكل شوماخر سائق سباق السيارات أكثر مما يعرفونك".
رد علي مازحا: "هذه إهانة. هذا الولد كان يستعمل اسمي ويدعي أنني عمه لمواعدة الفتيات أمام باب الثانوية ، فأصبح اليوم أشهر مني. يا للعار". وأوضح لي أنه مجرد تشابه أسماء ولا علاقة عائلية بينهما، وأن اسم شوماخر واسع الانتشار في ألمانيا ويعني صانع الأحذية أو الإسكافي.
قلت له: "على ذكر العار. هلا حدثتني عن مباراة النمسا في 1982". رد علي: "كان علينا أن نتأهل. ولم تكن أمامنا وسيلة أخرى". سألته عن دوره في المباراة. قال لي:"لم تصلني كرات كثيرة. واحدة من تمريرة خلفية. وأخرى أعدتها لاستئناف اللعب. كنت حارس المرمى".
تحدثت في 2021 مع بيير ليتبارسكي. كان من أصغر اللاعبين في المنتخب الألماني. يتميز بالمرواغة والسرعة على الجناح. ولكن فوزي منصوري لم يترك له أي فرصة أمام الجزائر. مرر كرة الهدف إلى روباش أمام النمسا، ثم "صمت" بعدها تماما. طلبت منه حوارا عن "مباراة النمسا"، فاعتذر بلباقة.
أحدثت فضيحة "ترتيب نتيجة المباراة" بين ألمانيا الغربية والنمسا على حساب الجزائر، ضجة إعلامية مدوية. تحدثت القنوات التلفزيونية والصحف العالمية عن "فضيحة خيخون"، وعن "مباراة العار". ولكن تعليق رئيس الاتحاد النمساوي لكرة القدم، هانس تشاك، على شكوى الجزائر، تجاوز حدود الرياضة.
قال تشاك لوسائل الإعلام: "كانت مباراتنا اليوم تكتيكية. ولكن إذا أراد 10 آلاف من أبناء الصحراء أن يجعلوا من هذه المباراة فضيحة، فهذا يعني أنهم لا يملكون ما يكفي من المدارس. يأتي شيخ من واحته، ونسمح له بأن يشم رائحة كأس العالم بعد 300 عام، فيعتقد أنه من حقه أن يفتح فمه".
الغريب أن هذا التعليق لم يثر استنكار الأوساط الكروية بالشكل، الذي نتوقعه اليوم في عصر الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي. ولم يتحرك الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا وقتها ضد رئيس الاتحاد النمساوي، وهو يطلق هذه الأوصاف "العنصرية" على الجزائريين والعرب.
ولا أحد يفهم حتى الآن، بعد نصف قرن تقريبا، كيف برمج المنظمون في نهائيات كأس العالم 1982 مباراة ألمانيا مع النمسا، يوما بعد مباراة الجزائر مع تشيلي. وهم يعرفون أن ذلك سيتيح للألمان والنمساويين فرصة ترتيب النتيجة للتأهل معا، على حساب المنتخب الجزائري.
تواجه الجزائر النمسا في نهائيات كأس العالم، بعد 44 عاماً من "فضيحة خيخون"، وتعليق تشاك "العنصري" . و"ثعالب الصحراء" يصنعون مجد الأندية الألمانية: رامي بن سبعيني، بوروسيا دورتموند، ومحمد الأمين عمورة، فولسبورغ، وفارس شايبي، إنتراخت فرانكفورت، وإبراهيم مازة، باير ليفركوسن، وبدر الدين بوعناني، شتوتغارت.



