تخرج علينا اليوم مذيعتان – وأقصد هنا استخدام كلمة “مذيعتان” لا “إعلاميتان” – لتوجها رسالة إلى نساء الأردن مفادها: احضرن مباريات كأس العالم بصمت، وضعن مساحيق التجميل، وصففن شعوركن، وشجعن بصمت.
قد تبدو هذه العبارات للبعض مجرد دعابة عابرة، لكنها في الحقيقة تحمل رسالة أعمق وأكثر خطورة. فهي تعيد إنتاج واحدة من أكثر الصور النمطية رسوخًا؛ أن دور المرأة ينحصر في حضورها الجمالي، وأن مشاركتها الفكرية أو الرياضية غير مرحب بها، وكأن فهم كرة القدم أو النقاش فيها امتياز ذكوري لا يحق للنساء الاقتراب منه.
أما المحتوى الذي يقوم على تأطير النساء ضمن قوالب جاهزة، أو تهميشهن، أو اختزالهن في صور نمطية، فهو لا يخدم المهنية الإعلامية، بل يساهم في إعادة إنتاج التحيزات المجتمعية وترسيخ التمييز.
من حق الجميع أن يُمثَّلوا بعدالة وإنصاف، ومن واجب الإعلام أن يعكس الواقع بمسؤولية، لا أن يصنعه عبر الأحكام المسبقة. وقد يسارع البعض إلى تصنيف أي اعتراض على هذا النوع من الخطاب على أنه موقف أيديولوجي أو جزء من نقاشات الهوية والجندر، إلا أن جوهر القضية أبعد من ذلك بكثير.
فرفض تأطير النساء، أو تنميطهن، أو تهميشهن، ليس موقفًا أيديولوجيًا، ولا انحيازًا لتيار فكري أو سياسي، بل هو دفاع عن المبادئ الأساسية للعمل الإعلامي. إنه دفاع عن أخلاقيات المهنة، وعن حق الجمهور في إعلام مسؤول يحترم الإنسان، ويبتعد عن تكريس الأحكام المسبقة، ويؤدي دوره في بناء الوعي بدلاً من إعادة إنتاج التحيزات المجتمعية.
المشكلة هنا ليست في كرة القدم، ولا في الدعابة، بل في الخطاب الإعلامي عندما يستخدم منصته لتكريس التنميط والتأطير بدلاً من مساءلتهما. فالإعلام لا يقتصر دوره على نقل الرسائل، بل يساهم في تشكيل الوعي الجمعي، وفي إعادة تعريف المقبول والمرفوض داخل المجتمع. وكلما جاءت الرسالة من شاشة وطنية، تضاعفت مسؤوليتها وتأثيرها.
هذا التجاوز المتكرر يفتح نقاشًا مهمًا على مستويين.
أولاً: الإعلام الوطني الأردني وتأطير النساء
هل من المقبول أن تساهم منصات إعلامية وطنية في إعادة إنتاج الصور النمطية عن المرأة الأردنية؟ وهل يتوافق ذلك مع الخطاب الوطني الذي يفترض أن يؤكد على المشاركة المتساوية للمرأة في الحياة العامة، وفي السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والرياضة، لا أن يعيد تكريس الأدوار التقليدية التي اختزلتها لعقود؟
ثانيًا: من هو الإعلامي؟ وما هي المعايير المهنية للمؤسسات الإعلامية؟
عندما تتكرر مثل هذه الممارسات، فإن القضية لم تعد تتعلق بمحتوى واحد أو بمذيع أو مذيعة، بل أصبحت تطرح سؤالًا أكبر حول تعريف الإعلامي نفسه، وحول المعايير المهنية التي يجب أن تحكم عمل المؤسسات الإعلامية في الأردن.
فليس كل من يقف أمام الكاميرا إعلاميًا بالمعنى المهني. الإعلامي هو من يدرك أثر الكلمة، ويعرف أن الشاشة ليست مساحة لإعادة إنتاج التحيزات، وإنما منصة لبناء الوعي، واحترام كرامة الإنسان، وتقديم محتوى يلتزم بالدقة، والإنصاف، والمسؤولية الاجتماعية.
إن استمرار مثل هذا الخطاب يضع مهنية المؤسسة الإعلامية على المحك، ويستوجب مراجعة جادة لمدونات السلوك، وآليات الرقابة التحريرية، والمعايير التي يُقاس بها الأداء الإعلامي. فحرية التعبير لا تتعارض مع المهنية، بل تكتمل بها، والإعلام الوطني لا يُقاس فقط بنسبة المشاهدة، وإنما بقدرته على الارتقاء بالخطاب العام، لا الانحدار به.
القضية ليست الدفاع عن النساء لأنهن نساء، وليست معركة أيديولوجية بين تيارات فكرية متباينة. إنها قضية مهنية بامتياز؛ قضية إعلام يحترم الإنسان قبل أي شيء آخر. فعندما تتحول الشاشة إلى أداة لتكريس التهميش والتنميط، فإن الخسارة لا تقع على النساء وحدهن، وإنما على مهنة الإعلام نفسها، وعلى ثقة الجمهور بالمؤسسات التي يفترض أن تكون نموذجًا للمسؤولية والوعي.
هانيه برقاوي



