لو كان التوجيهي رجلا لقتلته!
الساعة الثامنة مساء اليوم، يفتح موقع إلكتروني واحد، وتتوقف حياة بيوت كاملة عنده.
هناك رقم ينتظر أن يظهر.
رقم صغير على شاشة، لكنه يدخل البيوت بحجم حكم كامل!
لا يعرف أحد شكله.
لا صوته.
لا يده.
ومع ذلك، ينتظره كل بيت أردني كما لو كان خصما شخصيا يعرف تماما ما جاء ليأخذ.
قديش جبت؟
لو كان التوجيهي رجلا لقتلته!
لأنه يأخذ اثني عشر عاما من عمر طالب، ثم يختصرها في معدل.
اثنا عشر عاما من الدفاتر.
من الحصص.
من الامتحانات.
من الخوف.
من المحاولة.
من الفشل.
ومن النهوض بعد الفشل.
ثم تأتي ساعات الامتحان، ويخرج المعدل، ويبدأ الناس في قراءة الإنسان من خلاله.
هنا تبدأ المشكلة.
الامتحان يعرف الإجابة.
يعرف ما كتب الطالب.
ويعرف ما أخطأ فيه.
أما الطريق إلى الإجابة، فيبقى خارج الورقة.
لا يعرف كم تعب.
ولا كم مرة حاول.
ولا البيت الذي درس فيه.
ولا المعلم الذي ساعده.
ولا الظروف التي جلس بينها إلى الكتاب.
قد يعرف طالبان الإجابة نفسها، ويصلان إليها من طريقين لا يشبه أحدهما الآخر.
الورقة ترى الإجابة.
ولا ترى الطريق.
وهذا مفهوم.
الورقة ورقة.
المشكلة تبدأ حين تصبح حدود الورقة حدودا لرؤية الإنسان.
هذا العام، صار الامتحان يعيش عامين.
ثلاثون بالمئة من المعدل من الجزء الأول في الحادي عشر، وسبعون بالمئة من الجزء الثاني في الثاني عشر، مع أربعة مباحث تخصصية في الجزء الثاني.
قيل إن توزيع العبء يخفف الضغط.
لكن الرعب حين يتوزع لا يختفي.
قد يتحول إلى موعد طويل لا ينتهي.
طالب ينجح في الحادي عشر، فيحمل معه ما تبقى.
وطالب يتعثر، فيدخل عاما جديدا ونتيجته القديمة تمشي معه.
الامتحان الذي كان ينتظر في نهاية الطريق صار يمشي مع الطالب في الطريق.
عذاب مقسط.
ثم هناك امتحان آخر لا تراه الورقة.
طالب يدرس في مدرسة مجهزة، ومعلمين مستقرين، وبيت يوفر له الوقت والمكان والدروس.
وطالب يدرس في صف مكتظ.
أو في بيت ضيق.
أو وسط ظروف تسرق منه حتى هدوء المذاكرة.
ثم يجلس الاثنان أمام السؤال نفسه.
نحن نرى الورقة.
ولا نرى الطريق!
وعندما تظهر النتيجة، يختفي الطريق كله.
يبقى المعدل.
قديش جبت؟
ثلاث كلمات.
لكنها تستطيع في لحظة واحدة أن تنقل الطالب من مقعد الامتحان إلى محكمة اجتماعية.
98؟
تهان.
70؟
مقارنة.
أقل؟
تبدأ الأسئلة.
وإذا صمت الطالب...
تكلمت العيون.
فجأة، لا يعود المعدل نتيجة امتحان.
يصير علامة بيت.
نجاح الابن يصبح فخرا للأب.
وتفوقه يصبح حديثا للأقارب.
وتعثّره يصبح سؤالا عن التربية.
هنا يخرج المعدل من الورقة.
ويبدأ في قياس أشياء لم يدخل الامتحان لقياسها أصلا.
يقيس البيت.
ويقيس الأب.
ويقيس الأم.
ويقيس مستقبل الطالب في عيون الناس.
وهذه هي المفارقة التي اعتدنا عليها حتى لم نعد نراها.
نعطي نتيجة امتحان محدد سلطة إصدار حكم واسع على إنسان كامل.
ثم نستغرب خوف الطالب من لحظة إعلان النتيجة.
فالطالب لا يحمل كتابه وحده.
يحمل توقعات أبيه.
وخوف أمه.
ونظرات الأقارب.
ومقارنات الجيران.
وصورة الأوائل التي ستملأ الشاشات.
ثم نطلب منه أن ينظر إلى معدله كأنه مجرد معدل!
لكن المعدل نفسه قصير العمر.
بعد سنوات، تتراجع علامة التوجيهي أمام ما يستطيع الإنسان أن يفعله.
تظهر المهارة.
وتظهر الشخصية.
وتظهر القدرة على التعلم.
ويظهر العمل.
وتظهر القدرة على الوقوف بعد السقوط.
قد ينجح صاحب الـ70 حيث يتعثر صاحب الـ98.
وقد يجد طالب لم يدخل التخصص الذي أراده طريقا لم يكن يراه أصلا.
وقد يحمل صاحب المعدل العالي نتيجته سنوات، ثم يكتشف أن المعدل لم يخبره ماذا يريد من حياته.
فماذا يبقى منه؟
ورقة.
وخانة في ملف.
وذكرى ليوم كامل من الفرح أو الخيبة.
أما الإنسان، فيبقى في الأشياء التي لم تدخل الامتحان أصلا.
في ما تعلمه بعده.
في ما صنعه بيديه.
في المرات التي أخطأ فيها ثم عاد.
في الطريق الذي لم تره الورقة.
وهنا يعود السؤال إلى مكانه الأول:
قديش جبت؟
السؤال يبدو عن المعدل.
لكنه يكشف شيئا أكبر.
يكشف حاجتنا إلى رقم سريع نضع فيه إنسانا كاملا.
نختصر اثني عشر عاما في خانة.
ثم نطلب من الخانة أن تختصر صاحبها!
المعدل يستطيع أن يقول:
هذه نتيجتك.
لكنه لا يستطيع أن يقول:
هذا أنت.
تلك الجملة نحن من نضعها فوق الورقة.
ونحن من نحملها إلى البيت.
ونحن من نحولها إلى فخر أو خيبة.
ونحن من نعطيها سلطة لا توجد في خانة العلامات.
ثم يأتي اليوم.
تفتح الشاشة.
يظهر المعدل.
تفرح بيوت.
وتصمت بيوت.
وتبدأ المقارنات.
ثم ينتهي الخبر.
ويبقى الطالب.
هنا فقط يظهر حجم التوجيهي الحقيقي.
امتحان.
وورقة.
ومعدل.
ثم تنتهي مهمته.
أما الإنسان الذي خرج من أمام الشاشة...
فلم تنته مهمته بعد.
ولهذا أقولها كما بدأت:
لو كان التوجيهي رجلا لقتلته!
لكن الذي يستحق أن يموت هو الفكرة التي حملته فوق حجمه.
الفكرة التي جعلت من معدل امتحان حكما على إنسان.
لأن التوجيهي يستطيع أن يقيس إجابة.
ويستطيع أن يمنح معدلا.
ويستطيع أن يفتح بابا أو يغلق آخر في لحظة القبول.
لكنه لا يستطيع أن يقول للطالب: هذا أنت.
أما وقد كان ورقة ورقما، فالأجدر أن نضعه في حجمه.
صغيرا بما يكفي ليقيس إجابة.
وصغيرا جدا ليقيس إنسانا!



