*
الجمعة: 19 حزيران 2026
  • 19 حزيران 2026
  • 14:43
استثمار البلبلة 
الكاتب: د. معن عمر الكفاوين

تعيش المجتمعات في مختلف المجالات حالةً متكررة من ردود الأفعال المتسرعة تجاه الأحداث، سواء كانت اقتصادية أو إدارية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كثير من الأحيان، تتحول هذه الحالة إلى بيئة خصبة يستثمرها البعض لتحقيق مصالحهم الخاصة، فيما يمكن تسميته بـ “استثمار البلبلة”.

وليس هذا المفهوم جديداً؛ ففي الأسواق المالية كثيراً ما تتحول حالات البلبلة وعدم اليقين إلى فرص يستثمرها البعض لتحقيق مكاسب كبيرة، إذ تدفع الشائعات والمخاوف وردود الأفعال المتسرعة إلى قرارات متسرعة يستفيد منها المستثمرون المحترفون. وبالمثل، يمتد هذا الأسلوب إلى الحياة العامة، حيث يستثمر البعض الإشاعات والمعلومات غير الدقيقة وإثارة الشكوك لإرباك المشهد وتحقيق أهداف لا تخدم المصلحة العامة.

فمن خلال نشر معلومات مضللة، أو تضخيم أحداث محدودة، أو اجتزاء الحقائق، يمكن توجيه الرأي العام وإشغال المجتمع بقضايا جانبية، بما يخلق حالة من الفوضى، ويُربك متخذ القرار، ويُشتت الانتباه عن القضايا الحقيقية. وغالباً ما تُغلَّف هذه الممارسات بشعارات تبدو قانونية أو إصلاحية، بينما تخفي وراءها مصالح ضيقة أو أهدافاً شخصية.

ويحرص من يمارس هذا النوع من الاستثمار على الظهور بمظهر صاحب المعلومة أو المدافع عن المصلحة العامة، وكأن رسالته للمجتمع هي: “أنا هنا”. إلا أن المشكلة تكمن في أن مصادر معلوماته تكون في كثير من الأحيان جهات غير مختصة أو أفراداً لا يتحملون مسؤولية ما يطرحونه، بينما يتجنب الرجوع إلى الجهات الرسمية أو المختصين القادرين على تقديم المعلومة الدقيقة والموثقة.

إن المجتمع الواعي لا يُبنى على سرعة تداول الأخبار، وإنما على التحقق من صحتها، والتمييز بين النقد المسؤول ومحاولات إثارة البلبلة. فكلما ارتفع مستوى الوعي، تضاءلت فرص المستثمرين في الفوضى، وبقيت الحقيقة هي المرجع الأول، والمصلحة العامة هي الغاية التي ينبغي أن تتقدم على كل مصلحة شخصية أو آنية

مواضيع قد تعجبك