عُدت اللامركزية إحدى أهم الوسائل والادوات الحديثة التي تهدف في المقام الأول إلى تعزيز المشاركة الشعبية في إدارة الشؤون المحلية وتمكين المجتمعات من صناعة القرار التنموي وتنفيذه، الامر الذي يؤدي بالضرورة الى التنمية المستدامة ويعزز مبادئ الديمقراطية الادارية، لما كانت فكرة اللامركزية بوصفها وسيلة لنقل بعض الصلاحيات من السلطة المركزية إلى هيئات محلية منتخبة، بما يضمن سرعة الاستجابة لاحتياجات المواطنين وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الخدمات والموارد، علاوةً على تمثيل بعض الفئات المؤثرة، التي اصبحت ممثلة بالنص حسب قانون اللامركزية الجديد.
إلا أن نجاح اللامركزية لا يقتصر على وجود انتخابات محلية أو مجالس منتخبة، بل يتطلب أيضاً وجود وعي مجتمعي قادر على التفريق بين المصلحة العامة والمصالح الشخصية (الانغلال الذاتي).
ففي بعض الحالات تتحول الانتخابات المحلية من أداة ديمقراطية إلى ميدان للشعبوية السياسية والاجتماعية، حيث يطغى الخطاب العاطفي والشعارات الرنانة على البرامج الواقعية والكفاءات المؤهلة لإدارة الشأن العام.
وخطورة الشعبوية تكمن عندما يصبح الناخب الممثل لاحد القطاعات أسيراً للوعود غير القابلة للتنفيذ أو للخطابات التي تستثير العصبيات الاجتماعية والعشائرية والمناطقية، بدلاً من تقييم المرشحين على أساس الكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة الموارد العامة، الامر الذي ادى الى وصف العملية الانتخابية بـ “حكم الغوغاء”، أي هيمنة الراي الجماهيري على حساب المعايير الموضوعية التي جاء برنامج اللامركزية لتحقيقها والتي تقوم في المقام الاول على الديموقراطية الادارية التي هي روح اللامركزية.
إن حكم الغوغاء قد يودي الى اتخاذ قرارات لا تصب بالنهاية في مصلحة المجتمع، الامر الذي يدفعنا الى اعادة النظر في مشروع اللامركزية، فما قام به قانون اللامركزية الجديد من خلال توسيع دائرة التعيين حيث اصبحت ٤٠٪، مقابل تخفيض عدد الناخبين الى نسبة ٦٠ ٪، ويهدف هذا التعديل إلى رفد المجالس بالكفاءات والخبرات المتخصصة، بما يسهم في رفع جودة القرارات وتحقيق المصلحة العامة بصورة أكثر فاعلية.
ان حكم الغوغاء لا يعني مشاركة الشعب في الحكم، وإنما يعني خضوع القرار العام التنفيذي لتأثير الحشود والانفعالات العابرة بعيداً عن الاعتبارات العلمية والإدارية، فالديمقراطية الحقيقية لا تقوم على مجرد حكم الأكثرية فقط، وإنما ايضاً على حكم الأكثرية الواعية التي تمارس حقها الانتخابي ضمن إطار من المعرفة والمسؤولية واحترام المصلحة العامة.
وفي نهاية مقالي هذا اريد ان انوه الى ان تطوير تجربة اللامركزية لا يقتصر على تعديل نسب التعيين والانتخاب فحسب، بل ينبغي أن يمتد إلى وضع معايير موضوعية وأخرى شكلية تضمن كفاءة المترشحين وقدرتهم على أداء المهام المنوطة بهم، ولذلك أرى ضرورة إخضاع كل من يتقدم للترشح لاختبار يقيس معارفه الإدارية والقانونية والتنموية، بما يضمن امتلاكه الحد الأدنى من الكفاءة اللازمة لممارسة العمل العام، كما انه ومن وجهة نظري أرى أن يكون الحصول على درجة البكالوريوس شرطاً أساسياً للترشح، نظراً لما تتطلبه عضوية المجالس اللامركزية من قدرة على تحليل المشكلات، وفهم التشريعات، والمشاركة في وضع الخطط التنموية واتخاذ القرارات التي تمس مصالح المواطنين. فالمناصب العامة مسؤولية تتطلب الكفاءة والخبرة إلى جانب التمثيل الشعبي، وتحقيق هذا التوازن من شأنه أن يعزز نجاح مشروع اللامركزية ويرتقي بمستوى أدائه ونتائجه.



