*
الاحد: 14 حزيران 2026
  • 14 حزيران 2026
  • 10:03
إحياء تراث شجرة السدر
الكاتب: د. زهير البلاونة

تحمل شجرة السدر دلالات عميقة في الموروث الشعبي لأهالي وادي الأردن، فهي من الأشجار الأصيلة المعمّرة التي استطاعت الصمود أمام قسوة المناخ وتقلباته، وارتبطت بحياة الإنسان ارتباطًا وثيقًا، فكانت مصدرًا للظل والغذاء والدواء، كما استُخدمت أخشابها وقودًا طبيعيًا، وأصبحت جزءًا أصيلًا من المشهد الطبيعي والذاكرة المجتمعية لسكان المنطقة.
وعُرف وادي الأردن منذ القدم بكونه بيئة مثالية لنمو أشجار السدر دائمة الخضرة، التي تتميز بقدرتها العالية على تحمّل الجفاف وملوحة التربة، وهي صفات تجعلها من الأنواع النباتية الواعدة في ظل التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية. وتشير التقديرات إلى أن وجود هذه الشجرة المباركة في المنطقة يعود إلى أكثر من ألفي عام، وأن أعدادها كانت تتجاوز في الماضي نصف مليون شجرة، في حين لا يتجاوز عددها اليوم نحو خمسة آلاف شجرة فقط، الأمر الذي يجعلها شاهدًا حيًا على تاريخ المكان ورمزًا من رموز تراثه الطبيعي والإنساني.
ولم تقتصر أهمية السدر على قيمتها البيئية والتراثية، بل حظيت بمكانة خاصة في الثقافة الإسلامية، إذ ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: 16].
كما ورد في السنة النبوية الشريفة الحث على المحافظة على هذه الشجرة وعدم الإضرار بها، لما لها من منفعة للإنسان والحيوان، ولما تمثله من مورد طبيعي ذي قيمة عامة.
وقد أثبتت التجارب والدراسات الحديثة قدرة أشجار السدر على التكيّف مع الظروف البيئية القاسية، الأمر الذي يعزز أهميتها ضمن استراتيجيات التكيف مع التغير المناخي وإعادة تأهيل النظم البيئية. كما تفتح هذه الشجرة آفاقًا واعدة لمشروعات اقتصادية مستدامة، من أبرزها تربية النحل وإنتاج العسل عالي الجودة، إلى جانب الاستفادة منها كأصول جذرية لتطعيم أصناف محسنة ذات قيمة اقتصادية مرتفعة.
وفي هذا الإطار، حققت مختبرات سلطة وادي الأردن نجاحًا في استخدام أشجار السدر كأصول لتطعيم بعض أصناف العناب المحسنة، ومن بينها العناب الإيطالي وصنف النبق الجامبو، وهو ما يتيح فرصًا جديدة لتنمية المشاريع الزراعية المدرة للدخل، ويوفر مصدر رزق مستدامًا للعديد من الأسر في المنطقة.
وانطلاقًا من الحرص على صون هذا الإرث الطبيعي والثقافي والاقتصادي، أطلقت سلطة وادي الأردن مبادرة وطنية لإحياء شجرة السدر، تمثلت في وضع حجر الأساس لحديقة السدر في محيط سد الملك طلال، لتكون نقطة انطلاق نحو برنامج متكامل يهدف إلى إكثار هذه الشجرة المباركة والمحافظة عليها، وتعزيز حضورها في المشهد البيئي، وإعادة الاعتبار لقيمتها التاريخية والمجتمعية والاقتصادية.
إن إعادة إحياء شجرة السدر ليست مجرد مشروع تشجير، بل هي استعادة لجزء أصيل من هوية وادي الأردن، واستثمار في مورد طبيعي قادر على خدمة الإنسان والبيئة  والاقتصاد، بما ينسجم مع مبادئ التنمية المستدامة ويضمن انتقال هذا الإرث العريق إلى الأجيال القادمة.

مواضيع قد تعجبك