في علمنا مثلث أحمر.
لم يضعه المؤسسون زينة على طرف القماش، ولا حلية عابرة بين الألوان. وضعوه موقفاً. وضعوه إعلاناً بأن هذا البلد يعرف أين رأسه وأين رجليه! المثلث لا يحتمل التوهان؛ له قاعدة يستند إليها وقمة تشير إلى الأمام.
نشأت على هذا العلم. صدّقته.
ثم كبرت، ورأيت أن المثلث ما زال يرفرف فوق المباني، لكن ما تحته أخذ يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى دوائر.
الدائرة لا تسقط.
هنا تكمن خطورتها.
فالسقوط حدث يُرى.
أما الدوران فبطء لا يُرى إلا بعد فوات الأوان!
لا تسقط لأنها لا تصل. ولأنها لا تصل، لا تُحاسَب. الفشل بداخلها يرتدي بدلة ويعيد تقديم نفسه. والعجز يعيد إنتاج نفسه باسم الاستمرارية. تتبدّل المواقع وتبقى الآليات. تتغيّر العناوين وتبقى النتائج. والزمن وحده هو الذي يتحرك.
لكن أخطر ما في الدائرة أنها تجعل الدوران يبدو إنجازاً!
الدائرة لا تعرف الطريق؛ هي تعرف العودة فقط.
الوعود الحكومية دائرة تدور بدقة مذهلة.
من الضرائب التي قيل إنها استثمار في المستقبل، إلى الوعود الكبرى بسوق عمل جديد، إلى الشعر السياسي الذي بشّر بالأيام الأجمل، إلى لغة المؤشرات والجداول التي تتحدث بها الحكومة اليوم...
تتغير اللهجات.
وتبقى الفاتورة نفسها.
يتغير المخرج. يتغير الديكور. تتحول الخطابات من الحبر إلى الشاشة. لكن المواطن ما زال يقتطع ثمن الدخان والقهوة والورق والإنترنت من قوت أطفاله، منتظراً أن تبقى له دنانير صامدة قبل نهاية الشهر.
ولجان التحقيق دوائر.
تُشكَّل وتجتمع وتكتب التقرير وترفعه إلى جهة تدرس التقرير وتوصي بتقرير جديد.
ثم يمر العام.
ويمر الذي بعده.
وتبقى العبارة ذاتها:
"الموضوع قيد الدراسة."
وتقارير مكافحة الفساد دوائر.
أرقام تُعلن. مؤشرات تُنشر. مؤتمرات صحفية تُعقد. ثم تعود الملفات إلى الأدراج نفسها التي خرجت منها.
يُقرأ التقرير. تُلتقط الصور. تُوزَّع النسخ.
ثم تبدأ دائرة جديدة.
والدراسة عندهم اسم آخر للدوران.
المشكلة ليست أن الأردن يفتقر إلى الكفاءات.
المشكلة أن كثيراً من الكفاءات تقف خارج الدائرة.
وحين تضيق الدائرة على الوطن، يبدأ الوطن بالاختناق.
هناك مثلث واحد في هذا الوطن لم يتحوّل إلى دائرة!
الجيش الذي يحرس الثغور منذ أكثر من قرن. الثورة التي أعطت هذه الأرض اسمها وشرعيتها الأولى. والعرش الذي ظل، عبر كل الزلازل الإقليمية، النقطة الثابتة في خريطة تتغير من حولها كل أربع سنوات.
هذا المثلث لم يدر.
لم يتأخر.
لم يتبدّل بتبدّل الوجوه.
وحين تهتز الأرض من حولنا، يبقى هو الزاوية الوحيدة التي لا تنحني لتصير قوساً.
والمفارقة أن هذا المثلث الثابت في القمة هو نفسه الذي ينتظر، كل مرة، أن تستقيم معه الدوائر التي تدور تحته.
ينتظر حكومة لا تستعير لغة سابقتها.
وينتظر مؤسسات تقترض من صلابته، لا من ليونة دورانها.
فالمثلث الذي في الأعلى موجود وثابت.
والمثلث الذي ينقص هو الذي في الأسفل.
أعلن انحيازي للمثلث!
ليس شكلاً هندسياً.
بل فلسفة إدارة.
المثلث لا يُذيب المسؤولية كما تفعل الدائرة؛ بل يحددها. لا يخلط المواقع؛ بل يوضحها. لا يختبئ خلف ضباب المجاملات والتسويات؛ بل يقطعه.
المثلث له رأس واحد يُعرَف أين يمضي.
ومن يُعرَف أين يمضي، يُحاسَب إن لم يصل.
المحاسبة.
تلك هي الكلمة التي لا تحبها الدوائر!
لأن الدائرة لا تعرف المسؤول.
كل ما تعرفه أنها تعيد إنتاجه.
وهي الكلمة الوحيدة القادرة على كسر الدائرة من الداخل.
المثلث يعيد الاعتبار للعدالة التنافسية.
المناصب السيادية لا ينبغي أن يبلغها إلا من استند إلى قاعدة حقيقية من الكفاءة والإنجاز والعمل، لا من تسلق عبر حبال العلاقات المغلقة والشلليات الضيقة.
ووطن يشبه المثلث يعرف ماذا يريد. يسمي الأشياء بأسمائها. يفصل بين المنجز والمتقاعس. بين الكفاءة والمحسوبية. وبين المصلحة العامة والمصالح الصغيرة التي تعيش على غموض المشهد.
الدول لا تسقط دائماً من نقص الموارد.
أحياناً تسقط من فرط الدوران حول الأشخاص أنفسهم!
حان الوقت لكسر المحيط والخروج من القوس.
من ديكورات الإصلاح إلى بنية التغيير. من إدارة الانطباعات إلى صناعة النتائج. ومن احتكار القرار إلى مشاركة وطنية حقيقية لا تشريفية.
وحين أنظر إلى خريطة الخروج من هذا الإرهاق الوطني الطويل، لا أرى دائرة أكبر.
أرى مثلثاً.
قاعدته المواطن.
وضلعه الأول الكفاءة.
وضلعه الثاني العدالة.
وفي قمته دولة تعرف ماذا تريد، وتملك الشجاعة لتقوله بصوت عال.
ما زال المثلث الأحمر يرفرف في علمنا كل صباح.
لا يسألنا عن حب الوطن.
بل عن شيء أصعب بكثير.
يسألنا:
هل ما زلنا نملك الشجاعة لنرسم مؤسساتنا على شكله؟
أم أننا اكتفينا بالدوران حولها؟
عماد داود



