كتبت هذا بعد أن هدأت العاصفة.
فالعواصف تُعمي.
والغضب يرفع الأصوات حتى لا يسمع أحد أحداً.
أما المسافة — فتُظهر ما هو أبعد من التصريح، وأعمق من الجدل، وأقدم من الحدث.
---
في أيار، طلب منّا جواد العناني أن نتقشّف.
كتبت يومها في "خبرني" — وقلت له بالاسم والدليل والرقم: الأردني لا يتقشّف، هو يُستهلَك!
لم يردّ.
لأن من يملك ظلّ المنصب لا يحتاج إلى ردّ — يكفيه الصمت الذي يملؤه الآخرون بالنسيان!
ثم جاء يونيو.
وجاء الجرح الثاني!
رجل واحد. شهران. وظلّ منصب واحد لا يهدأ!
---
قال — في مقابلة تلفزيونية — إن من رسم حدود الأردن كان "إما متعمداً أو سكراناً"!
قالها بسخرية من يعرف.
وبثقة من أمضى عمراً في قلب الدولة.
ثم فوجئ بالضجة — وقال: أُخذ كلامي خارج سياقه!
---
لن أقف عند سايكس بيكو وخطوطها التي قسّمت الأرواح قبل الأرض.
ما يعنيني ليس ماذا قال — بل لماذا يجرح ما يقوله!
ولماذا يجرح مرتين!
---
الإنسان العادي يملك حق الخطأ في التعبير.
كلمة تخرج في لحظة سخرية — وتموت في الهواء.
ينسى ما قال — لأن الناس أيضاً سينسون.
أما من جلس عقوداً في أعلى مواقع القرار — فكلماته لا تموت بالسرعة نفسها.
لأن الناس لا يسمعون الرجل — يسمعون كل ما خلفه!
يسمعون السنوات.
والمواقع.
والأسرار التي يفترضون أنه يحملها — حتى حين لا يقولها.
والدولة كلها تمرّ من بين كلماته — حتى حين لا يقصد ذلك!
---
بعض المناصب تخلع أصحابها.
لكنها لا تخلع أصواتهم!
---
يريد أن يتحدث كرجل حر.
والناس يصرّون على سماعه كرجل دولة!
يريد أن يقدّم قراءة تاريخية.
والناس يتعاملون مع كلامه كموقف — أو إشارة — أو شهادة تتجاوز حدود الرأي!
وتلك هي لعنة المنصب.
المنصب لا يعيش في المكتب.
ولا في السيارة الرسمية.
ولا في البروتوكول.
المنصب الحقيقي يعيش في ذاكرة الناس — وهذه الذاكرة لا توقّع قرارات تقاعد!
السلطة تترك ظلاً أطول من عمرها!
---
خصوصاً حين يتعلق الأمر بالأردن.
الأردن لم يُولد في اتفاقية — وُلد رغمها.
لم تصنعه الخرائط التي رسمها بيرسي كوكس — بل صنعه الناس الذين عاشوا داخلها وحملوا تكاليفها!
دولة دفعت أثمان بقائها بأرواح شعبها — لا بخطابات من جلسوا فوق مقاعد القرار.
ووطن صمد حين كانت المنطقة كلها تسقط من حوله!
ولهذا تصبح الكلمات المتعلقة به — مهما كان قصد قائلها — أثقل من أن تمرّ مرور الكلام!
---
لا أطالب أحداً بالصمت.
ولا أرى أن المناصب السابقة تسلب أصحابها حق التعبير.
لكن المواقع الكبرى تترك على أصحابها مسؤولية لا تنتهي بانتهاء التكليف.
مسؤولية اسمها: إدراك وزن الكلمة. ومعرفة أثرها. وفهم اللحظة التي تُقال فيها!
الحكمة ليست أن تقول كل ما تعرف.
ولا أن تقول كل ما تعتقد.
الحكمة أن تعرف ما الذي ستفعله كلماتك — بعد أن تغادر فمك!
---
لهذا لا أحسد أصحاب المناصب الكبرى.
المواطن العادي يدفع ثمن كلماته مرة واحدة.
أما هم — فيدفعونه مرتين.
مرة وهم في مواقعهم.
ومرة بعد مغادرتها — لأن بعض المناصب لا تتقاعد أبداً في ذاكرة الناس!
---
في أيار قال: تقشّف!
وفي يونيو قال: الحدود رسمها سكران!
وفي المرتين — كان المنصب أعلى صوتاً من صاحبه!
---
المنصب قد يغادر صاحبه.
لكن صاحبه لا يغادر المنصب بالسهولة نفسها!
وإن كانت شيرين تغني أن جرح القلوب غالي —
فإن جرح الأوطان أغلى!
إنها لعنة المنصب!
---
عماد داود
[email protected]



