*
الخميس: 04 حزيران 2026
  • 04 حزيران 2026
  • 20:45
الشيخ محمد صديق المنشاوي أمير التلاوة الذي رفض الذهاب إلى الإذاعة فحضرت إليه

خبرني - "نورٌ من نور، وكوكبٌ جاء من كوكب أكبر، ولا يستطيع الإنسان أن يقول فيه إلا أنه أصلحُ الثِمار من أصلحِ الأشجار"، بهذه الكلمات وصف القارئ المصري الراحل الشيخ فتحي المليجي، زميله الشيخ محمد صديق المنشاوي.

هذا الصوت الرخيم الخاشع الذي ذاع صيته في أنحاء العالم العربي والإسلامي، لم يكن موهبة فريدة في شجرة عائلة المنشاوية، فالشيخ محمد صديق كان سليل "حَمَلة القرآن الكريم"، كما قال في أحد اللقاءات للإذاعة المصرية.

وقد وُصف بيت عائلته بأنه "بيت القرآن"؛ فجده الشيخ (السيد) وجده الأكبر (ثابت) المنشاوي كلاهما كانا من أشهر قراء القرآن الكريم في صعيد مصر، إلا أنهما سبقا عصر الأسطوانات، وكذلك عمه (أحمد السيد) المنشاوي.

وقد نقلت لنا التسجيلات بعضاً من ميراث والده الشيخ صدّيق الذي لُقّب بـ"أمين القراءات" في الصعيد، والذي كان متعاقداً مع هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي ليفتتح إذاعتها العربية في بداياتها، بحسب السيدة فادية محمد صديق المنشاوي، فضلاً عن تسجيلات للشيخ محمد صديق نفسه في الإذاعة البريطانية التي كانت تفتتح بقراءاتٍ لكبار القراء.

وثمة تسجيلات أحدث في الإذاعة المصرية لشقيقه الأصغر الشيخ محمود صديق المنشاوي الذي تعهده أخوه محمد بالرعاية لحين إتقان تلاوة القرآن، والذي لا يزال على قيد الحياة حتى يومنا هذا (2026).

وشبهت ابنة المنشاوي فادية عائلتها بالشجرة التي كان الشيخ محمد صديق المنشاوي "فرعها الذي في السماء"، واصفة والدها بأنه "قمر دولة التلاوة" و"جبل الخشوع".

رفض الذهاب إلى الإذاعة فحضرت إليه
 

ولد الشيخ محمد صديق سيد ثابت المنشاوي في مدينة (المُنشاة) بمحافظة سوهاج بصعيد مصر في العشرين من يناير/كانون الثاني سنة 1920.

وكان ملازماً لوالده "ملازمة الظل" كما قال عن نفسه، وأتم في السابعة من عمره حفظ رُبع القرآن مع عمه القارئ أحمد السيد المنشاوي، الذي رافقه في القاهرة لمدة عام.

كان قراء القرآن هم المدرسة الوحيدة التي عرفها محمد صديق المنشاوي؛ فبخلاف والده وعمه، تتلمذ محمد منذ نعومة أظفاره على يد الشيخ محمد النَّمَكِي، والشيخ محمد أبو العلا والشيخ رشوان أبو مُسلم.

وكان يعتز كثيراً بتعلمه على يد الشيخ محمد السعودي، أحد أشهر القراء في طنطا، حتى أنه أطلق اسمه على أحد أبنائه.

كانت أولى حفلات الشيخ الصغير محمد صديق المنشاوي في قرية (أُبّار المِلك) التابعة لمركز إخميم المجاور للمُنشاة. وكان أول أجر حصل عليه 10 قروش مصرية سنة 1931 وعمره آنذاك 11 عاماً.

جاءت بداية مشواره مع الإذاعة وهو في أوائل الثلاثينيات من عمره، من خلال صَديق له حكى عنه لأمين حمّاد، أحد رؤساء الإذاعة المصرية السابقين، الذي ألح عليه للقدوم إلى القاهرة، إلا أن القارئ الشاب رفض هذا الإغراء أمام رغبته في عدم السفر خارج الصعيد في شهر رمضان.

وكان وقتها يقضي القارئ الشاب شهر رمضان في مدينة إسنا بمحافظة الأقصر، فقررت الإذاعة المصرية أن يقطع فريق منها مسافة تبلغ نحو 700 كيلومتراً في رحلة طويلة تستغرق عادة نحو 10 ساعات، مرسلة أجهزة التسجيل تحت إشراف المخرج سعيد أبو السعد.

وعادت البعثة الإذاعية لتعرِض تلاوته هذه على لجنة متخصصة، ليُعتمد قارئاً رسمياً بالإذاعة سنة 1953، ضمن الفئة الممتازة التي كانت تقرأ في تلاوة التاسعة مساء، ويصبح من بعدها "صَدِيق الأربعاء" ويجوب صوت محمد صديق المنشاوي منذ ذلك الحين أرجاء العالم.

محمد صديق المنشاوي.. القارئ الباكي يعود إلى الحياة بتسجيلات نادرة

"المسجد الأقصى كان حياته"
 

وجد القارئ صعوبة في الانتقال من سوهاج إلى القاهرة للتسجيل الإذاعي المستمر في كل مرة، فقد اعتادت الجماهير العربية على سماع صوته مساء كل أربعاء، فقرر الاستقرار في القاهرة.

وقد وجد الشيخ المنشاوي في حي القلعة بمصر القديمة مستقراً له في بداية تعرفه على العاصمة المصرية، وكان يحب السير على قدميه من القلعة إلى مسجد الإمام الحسين، كما حكت أسرته لبي بي سي، وكان إذا ركب وسيلة مواصلات، يفضل النزول قبل المسجد بقليل ليسير على قدميه إلى الإمام الحسين.

بعد ذلك، انتقل إلى حي حدائق القبة في فيلا الكاتب والشاعر حفني ناصف، قبل أن ينتقل إلى منزل بناه بشارع مصر والسودان، وبنى أسفله مسجداً صغيراً بإيعاز من صديق مسيحيّ كما حكى في لقاء له، وسماه على اسم والده الشيخ صِدّيق المنشاوي.

وكانت القاهرة محطة انطلاقه إلى أرجاء العالم، ليبدأ أولى رحلاته إلى إندونيسيا سنة 1955. وكانت سوريا أول دولة عربية تستقبله سنة 1956 بدعوة من الإذاعة هناك، ليتجول بعدها بين العراق والأردن والسعودية وليبيا والجزائر.

وجاء في تسجيل نادر للإذاعة المصرية قبل وفاته بأقل من عامين، أنه قرأ في أقدس ثلاث مساجد في الإسلام؛ وهي المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، والمسجد الأقصى في القدس.

وتقول ابنته فادية لبي بي سي إنه كان يعتز بسفره إلى المسجد الأقصى الذي زاره كثيراً و"كان يحبه حباً جماً".

وأضافت أنه كان شديد الإعجاب بالمسجد الأقصى معماراً ومكاناً روحياً، وأنه في كل مرة كان يشرع فيها للذهاب للقدس يكون "في قمة السعادة"، بما انعكس على تلاوته التي اتسمت بـ"جلال رهيب" داخل أروقة الحرم المقدسي بما يختلف عن تلاواته في أي مكان آخر تردد فيه صدى صوته.

وعبرت فادية عن شدة حبه بالقول إن "المسجد الأقصى كان حياته"، إلى أن توقف عن القراءة فيه، بعد ما يُعرف بـ"نكسة 67" أو حرب الأيام الست سنة 1967 مع احتلال القدس الشرقية.

"الكمال المنشود"
 

عُرف الشيخ محمد صديق المنشاوي بصوته الخاشع الحزين، حتى لُقب بالقارئ الباكي، وأطلق عليه الدكتور نبيل حنفي، المؤرخ الموسيقي والناقد الفني، "أمير دولة التلاوة" واصفاً صوته بأنه "صوت جميل يحمل رنة حُزن شَفيفٍ لا تُخطئه الأذن".

وأضاف حنفي في مقال لصحيفة القاهرة أن صوته اجتمعت فيه "عناصر القوة والعذوبة والإحساس بقدر وافر من كل عنصر، ما جعل صوته حالة نادرة في دولة قراءة القرآن الكريم بمصر والعالم الإسلامي خلال القرن المنصرم".

ويقول إسماعيل دويدار، مدير إذاعة القرآن الكريم، لبي بي سي إن الشيخ محمد صديق المنشاوي سجل القرآن كاملاً سنة 1965، أي قبل وفاته بأربع سنوات فقط، وبعد أكثر من 10 سنوات من إجازته بالإذاعة.

وقد سُجل المصحف بصوته على 82 شريطاً في تسجيل أشادت به لجنة الاستماع التي ضمت الدكتور محمد عبد الله ماضي، وكيل الأزهر، والشيخ عامر عثمان شيخ عموم المقارئ المصرية، والشيخ محمود برانق، أستاذ القراءات، والشيخ إبراهيم شحاتة وهو أيضاً من كبار القراء وعلماء القراءات، وآخرين.

ورغم هذه الإشادة، قدم الشيخ محمد صديق المنشاوي طلباً للمراقب العام للبرامج الثقافية بعد إتمامه الاستماع إلى تسجيلاته كافة، بإعادة تسجيل 32 شريطاً يرى أنه يمكنه أن يقدم ما هو أفضل من تلك التي قدمها بالفعل، والتي كانت خالية من الأخطاء وتذاع إلى يومنا هذا.

وجاء في نص طلب المنشاوي، بحسب دويدار:

"قمت بالاستماع إلى الختمة المسجلة بصوتي برواية حَفْص، ورأيت أنه استكمالاً للختمة بالصورة التي أحس معها بالكمال المنشود للغرض الذي سُجلت من أجله هذه الختمة، أن أقوم بإعادة تسجيل الشرائط الموضح بيانها".

وأضاف الشيخ المنشاوي: "هذا، وستكون الإعادة بدون أجر، كما أتعهد باستحضار لجنة المراجعة على حسابي الخاص".

فما كان من اللجنة إلا أن وافقت على رغبته "في السعي نحو الكمال"، بحسب مدير إذاعة القرآن الكريم، وأعاد القارئ تسجيل الـ32 شريطاً سنة 1966، واستمعت إليها اللجنة وأشادت بها وأجازتها سنة 1967.

ومع ذلك، لم تجد التسجيلات المُحسنة طريقها إلى آذان المستمعين إلا بعد 60 عاماً، بسبب "خلو التسجيل القديم من العيوب واستحسان الناس له"، إلى أن قرر دويدار إخراج هذا "الكنز" بعد أكثر من نصف قرن على وفاته.

وبحسب أبناء الشيخ محمد صديق، فهناك تسجيلات للمصحف بصوت المنشاوي لم تظهر بعد، أحدها برواية الدُّورِي عن الكِسَائي سنة 1963، وآخر برواية وَرْش عن نافع سنة 1965، وثالث برواية شُعْبْة عن نافع.

ابن كالأخ وأخ كالابن
 

تزوج الشيخ محمد صديق المنشاوي مرتين، الأولى من ابنة عمه (بهية) وهو ابن نحو 16 عاماً، وكانت عادة أهل ذلك العصر الزواج المبكر لاسيما في صعيد مصر.

وكانت سن زواجه هي الفارق بينه وبين ابنه الأكبر الذي كان يبدو إلى جواره "كما لو كان أخاً له"، بحسب تعبير السيدة فادية ابنته، في حين كان الفارق بين الشيخ محمد نفسه وبين شقيقه الأصغر الشيخ محمود 23 عاماً.

أنجب الشيخ محمد من بهية في مقتبل حياته ثلاثة أبناء، ولد واحد وبنتين، قبل أن يتزوج لاحقاً من السيدة (نعيمة) التي أنجب منها 9 من الذكور والإناث، ليصبح لديه 12 ابناً، 6 من الذكور و6 من الإناث.

وعلى الرغم من أن الشيخ محمد صديق المنشاوي لم يتعلم في مدرسة نظامية، إلا أنه كان حريصاً على تعليم جميع أبنائه، وكان يتعهدهم بالرعاية المدرسية، فضلاً عن تشجيعهم على إتمام حفظ القرآن بـ"حوافز" خاصة.

ومع ذلك، لم يسلك أحدهم مسلك أبيه في احتراف تلاوة القرآن، بحسب فادية التي أضافت في سؤال استنكاري "من يُجاري الشيخ محمد؟!".

"صراخ النسوة فوق أسطح المنازل"
 

أصيب الشيخ محمد صديق المنشاوي في آخر حياته بدوالي في المريء، ونصحه الأطباء بعدم إجهاد صوته في التلاوة. ومع ذلك، لم يتوقف عن تلاوة القرآن إلا قبل وفاته بشهرين بعد أن "نزف دماً".

وتوفي الشيخ محمد صديق المنشاوي في مستشفى المعادي بالقاهرة في يوم الجمعة في 20 يونيو/حزيران سنة 1969، ليدُفن في قريته المُنشاة في حياة أبيه الشيخ صديق.

وحكى الدكتور نبيل حنفي، المؤرخ الموسيقي والناقد الفني، أنه كان في منزل أسرته بمدينة قوص بمحافظة قنا بصعيد مصر، حين دُهِش الناس بإذاعة تلاوة للشيخ محمد صديق في الثامنة مساء السبت.

وكان الناس في انتظار تلاوة للشيخ عبد الباسط عبد الصمد كالمعتاد مساءَ السبت، "بينما تعود الناس أن يصافح مسامعهم صوت الشيخ المنشاوي في مساء الأربعاء من كل أسبوع، ليصك سمعهم نعي الشيخ يقرأه مذيع الليلة في أعقاب التلاوة".

وأضاف حنفي: "لن أنسى ما حييت صراخ النسوة فوق أسطح المنازل ليلتها ونياحهن، عندما علمن أن صَديق الأربعاء قد ودّع الدنيا بعد أن أسعد الناس بتلاواته".

ولا تزال تلاوات الشيخ محمد صديق المنشاوي تجوب الأثير حول العالم وتسافر عبر الأجيال التي ترى فيه إلهاماً، سيرة وصوتاً متفرداً في دولة التلاوة، وقد وصفه أحد محبيه بأنه "ذلك المسافر من أثقال التراب إلى معارج الملائكة، وهو ذلك الصوت الأوَّاب الذي يقول لك: اجلس؛ فإن هاهنا قلباً يتكلم بالقرآن".

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك