خبرني - ما أكثر الأفكار التي تدخل على الناس في ثياب الحكمة والتقدمية وهي تحمل في أحشائها بذور الخراب.
وما أكثر الشعارات التي تبدأ دعواها إلى الإصلاح ثم تنتهي إلى هدم الأسس التي يقوم عليها الكيان الإنساني كله.
ربما من أخطر ما ابتليت به بعض المجتمعات في العصر الحديث أن بعض المسؤولين لم يعودوا ينظرون إلى الأوطان على أنها رسالة أو تاريخ أو عهد بين الأجيال، بل أخذوا ينظرون إليها كما ينظر التجار إلى الشراكات وكما ينظر السماسرة إلى الصفقات.
فالوطن عند هؤلاء ليس أرضا سُقيت بعرق الآباء، ولا بدماء الشهداء، ولا حدودا يحرسها أبناء التراب، ولا ذاكرة حملتها القرون، بل مشروع استثماري يخضع لمفهوم الربح والخسارة.
فمن يرفض الإدارة الكفؤة؟
ومن يرفض محاربة الفساد؟
ومن يرفض تجويد استثمار الموارد؟
ما أجمل هذه الشعارات في ظاهرها.
لكن المتنفع الفاسد لا يأتي الناس معلنا نواياه، وإنما يأتيهم متخفيا في أثواب النصيحة.
إن الشركة وجدت لتربح.
أما الدولة فوجدت لتحمي.
الشركة تبحث عن العائد.
أما الدولة فوظيفتها صناعة العدالة.
الشركة تقيس النجاح بالأرقام.
أما الدولة فتقيس النجاح بكرامة الإنسان وأمن المجتمع ومستقبل الأجيال وتعزيز مفهوم الانتماء ورفع منسوب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وحين تختلط الوظيفتان يبدأ الخلل العميق.
فحين يتبنى المسؤولون المتنفعون منطق السوق في كل شيء، تبدأ الدولة تدريجيا بفقدان قدرتها على أداء وظيفتها الأصلية. وعندها لا يعود السؤال ما الذي يحتاجه المجتمع؟ بل يصبح ما الذي يحقق العائد الشخصي الأكبر؟
فتتراجع الأولويات العامة أمام الحسابات الضيقة، ويغدو اليه بحاجة ماسة للدعم خارج دائرة الاهتمام لأنهم لا يضيفون رقما إلى الميزانية في نظرهم ، بينما تتآكل القيم التي لا يمكن قياسها بجداول الأرباح والخسائر؛ كالعدالة والثقة والانتماء والتكافل.
وعندما تتراجع هذه المعاني، لا يضعف الاقتصاد فحسب، بل يضعف الرابط الذي يجعل الناس يشعرون أن هذا الوطن وطنهم جميعا، لا مشروعا تديره حسابات مؤقتة حقائبها جاهزة للمغادرة في اي لحظة.
السؤال المهم هو: كيف يصل هؤلاء إلى قيادة المجتمعات؟
كيف يصبح صاحب المصلحة الخاصة وصيا على المصلحة العامة؟
كيف يتحول المنصب من أمانة ثقيلة إلى غنيمة؟
وكيف تصبح القدرة على صناعة العلاقات والاستثمارات الخاصة أهم من القدرة على صناعة الإنجازات؟
إن الخلل لا يبدأ يوم يصعد المتنفع.
بل يبدأ يوم تختل المعايير التي تفرز المسؤولين.
يوم يصبح الإخلاص مستبعدا.
والثبات على المبدأ جمودا.
والبحث عن المكاسب الشخصية ذكاء.
والتسلق موهبة وفهلوة.
عندها لا تعود المشكلة في الأشخاص، بل في الثقافة التي صنعتهم، وفي البيئة التي احتفت بهم، وفي المؤسسات التي سلمتهم مفاتيح الأبواب.
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر ولا قلة الموارد ولا ضيق الفرص فحسب.
فكم من أمة فقيرة نهضت.
وكم من شعب محدود الإمكانات صنع المعجزات حين وجد إدارات تؤمن بأن المنصب أمانة لا غنيمة، وأن الوطن قضية لا صفقة، وأن الإنسان غاية لا وسيلة.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود المتنفعين فقط، بل في تحولهم إلى معيار للنجاح الاجتماعي والإداري.
وعندما يُكافأ المتسلق أكثر من صاحب الكفاءة، ويُقدم صاحب النفوذ على صاحب الجدارة، تبدأ المؤسسات بفقدان روحها قبل أن تفقد كفاءتها، ويصبح الوصول إلى الموقع أهم من أداء المهمة، ويغدو الحفاظ على المصالح الخاصة مقدما على حماية المصلحة العامة.
والمفارقة المؤلمة أن الشركات العابرة للقارات تستطيع نقل مصانعها من بلد إلى آخر إذا تغيرت حسابات الربح والخسارة، أما الأوطان فلا تستطيع نقل شعبها ولا تاريخها ولا شهداءها ولا ذاكرتها ولا قبور آبائها وأجدادها.
فالشركة تبحث عن السوق الأفضل.
أما الوطن فيبحث عن صناعة الانتماء والكرامة وتعزيز الاكتفاء.
والشركة تستطيع استبدال موظفيها.
أما الوطن فلا يستطيع استبدال شعبه.
ولهذا كانت الأوطان أكبر من أن تختزل في ميزانية، وأعمق من أن تدار بعقلية دفتر الحسابات.
وحين يُختزل الوطن إلى معادلات مالية مجردة، تُفقد القدرة على رؤية ما لا يظهر في الجداول، الثقة العامة، والتماسك الاجتماعي، والعدالة، والشعور بالمصير المشترك.
ويصبح المستقبل كله رهينة لحسابات لا ترى أبعد من نهاية الميزانية.
وهنا يبدأ الانحدار الحقيقي...



