خبرني - قرأت أمس في خبرني خبراً قصيراً.
مواطن أردني أُبعد من مصر.
الاسم اختصر إلى ثلاثة أحرف: ح ع ح.
والحكاية كلها اختصرت إلى كلمتين: الصالح العام.
وضعت الهاتف جانباً.
لكن شيئاً في الخبر ظل مفتوحاً.
ليس قرار الإبعاد بالطبع...
بل البطل الخفي الذي يظهر فيه دائماً.
البطل الذي لا يُرى، ولا يُساءل، ولا يحتاج إلى أي من الاثنين!
في منطقتنا العربية لا أعرف شخصية أكثر نجاحاً من السيد الصالح العام.
لا نعرف أين ولد.
ولا أين درس.
ولا كيف يبدو شكله.
ولا نعرف حتى إن كان يقيم وحده، أم مع حرمه البيروقراطية الغامضة التي شاركته تربية أجيال كاملة من الملفات والأختام والتعاميم!
لا سيرة ذاتية.
ولا مقابلة صحفية واحدة في تاريخه الحافل.
ومع ذلك يحضر أكثر من رؤساء وزراء سابقين ووزراء متقاعدين وجدوا في الجاهات والعطوات ولايةً ثانية!
يظهر في القرارات.
وفي التعاميم.
وفي الهوامش الصغيرة التي تغير مصائر كبيرة.
ثم يغادر دون أن يدلي بتصريح واحد!
وأحسده صراحة.
في زمن تحتاج فيه الأفكار إلى شروحات طويلة، يكتفي هو بكلمتين!
وفي زمن يبحث فيه الناس عن الأدلة، يكتفي هو بالحضور!
الصالح العام أصبح مثل الكاريزما؛ شيء نراه في العيون ولا نستطيع تعريفه بالقانون!
ومفارقة الصالح العام أنه جاء على وزن "الكاتب العدل" و"المدعي العام"، وهما منصبان يمكن تعريفهما وتحديد مهامهما بدقة؛ لكنه وحده ظل كائناً هلامياً يستعصي على التعريف، فلا تدري إن كان يُدوَّن في القوانين أم يُطبخ مع لحمة أو يُسلق مع جاج!
وإذا كان يُسلق مع جاج، فهل يتطلب ذلك رزًا مشخولًا ولا مفلفلًا؟ وهل نطبخه على نار هادئة أم نعتمد على لهيب البيروقراطية؟ وأين نضع الملفات: تحت الطنجرة، أم نعلّقها على الحيط كنشرةً لا تُقرأ!
هل ترحيل ح ع ح أصلح الاقتصاد المصري؟
هل أعاد الجنيه إلى عرشه أمام الدولار؟
لا أحد يعلم! وهذا تحديداً مصدر قوة السيد الصالح العام؛ يعيش على المسافة بين ما نعرفه وما لا نعرفه!
منذ سنوات طويلة تحاول نادية مصطفى إقناعنا:
"الصلح خير... قوم نتصالح... ولا تعاتبني ولا أعاتبك... كتر العتاب مش في الصالح!"
وكانت تغني بإخلاص.
وتجتهد.
وتراهن على القلب.
لكنها كانت تخوض المعركة الخطأ.
فالخصم الحقيقي لم يكن الخصام... بل الصالح العام!
وبين الصلح والصالح حرف واحد فقط.
لكن بين الحرفين تاريخ كامل من الأختام والملفات.
في الأولى يغني القلب.
وفي الثانية يتكلم النسر — ختم مصر الرسمي الذي لا يحتاج إلى توضيح!
وللتاريخ، آثرت مصر أم الدنيا أن تكظم غيظها.
لم تُفصح عن التهمة.
لم تقل: حاول إقناع بائع كشري بوضع زيت الزيتون بدلاً من الشطة!
ولم تقل: جاهر بأن المنسف الأردني أرقى سلالة من المشلتت!
آثرت أن تغلف الموضوع بعباءة الصالح العام النبيلة — حفاظاً على الجميد و"الملوخية بالأنارب" في سلام!
"سأرحّلك... لكن سأستر عليك!"
هذا ما يسميه الدبلوماسيون الكبار: التعتيم الراقي!
لكن ثمة معادلة يصعب تجاهلها.
الأردن يستضيف ما يقارب مليون مواطن مصري.
أبو مصطفى يدير مقهى في وسط البلد ويرفض تحصيل الحساب من الزبائن حالفا بالطلاق.
والأسطى محمد يسيطر على ورشة بناء في إربد وهو يغني لعمرو دياب بكل أريحية.
والجميد و"الملوخية بالأنارب" يعيشان في هدنة مستقرة منذ عقود — ولم يستدعِ الأمر تدخل السيد الصالح العام الأردني مرة واحدة!
لكن في القاهرة — كان فرد أردني واحد كافياً لاستدعاء تدخل السيد الصالح العام شخصياً!
إما أن ح ع ح يحمل في جيبه شيفرة لا نعرفها!
أو أن السيد الصالح العام كان يبحث عن عمل منذ فترة — فوجد أخيراً ما يليق بمكانته!
صاحب الخبر رجل في الثلاثين.
ثلاثون عاماً كاملة.
طفولة.
وأصدقاء.
وأحلام.
وأيام ثقيلة.
وأيام خفيفة.
ثم جاءت اللغة الإدارية.
فضغطت العمر كله داخل كلمتين!
يتساءل كثيرون: ما المقصود بالصالح العام؟
أما السؤال الذي يشغلني فهو العكس:
متى أصبح الإنسان تفصيلة في قصة المصطلح؟
متى صار الملف أشهر من صاحبه؟
ومتى أصبح المصطلح مواطناً كاملاً، بينما اكتفى المواطن بدور الهامش؟!
في النهاية لم ينتصر المواطن.
ولم ينتصر الخبر.
ولم تنتصر نادية مصطفى رغم بحة صوتها في كل ما غنّت!
يا معالي وزير الداخلية المصري...
"كتر العتاب مش في الصالح..."
فإذا كان ح ع ح قد أخطأ في المقاسات، أو جادل في الأجرة، أو عبّر عن رأيه في حواوشي السيدة زينب...
فالصلح خير! خصوصاً أن الجميد الكركي ينتظره بفارغ الصبر!
رجل عاش ثلاثين عاماً تحت سماء واسعة.
ثم دخل الجريدة الرسمية المصرية.
فخرج منها أصغر من اسمه... وأضيق من حكايته... وأخف من عمره!
ثلاثة أحرف. وكلمتان.
أما الباقي، فبقي معلقاً في المسافة الصامتة بينهما.
تهانينا يا سيد الصالح العام — انتصرت مرة أخرى!
عماد داود
[email protected]



