كانت الزيارات العائلية في الماضي مناسبة ينتظرها الجميع بشوق، فهي فرصة للقاء الأحبة وتجديد الروابط والشعور بالانتماء، أما اليوم، فقد أصبح كثير من الناس يبحثون عن سببٍ للاعتذار عن بعض التجمعات العائلية، أو يحضرونها على مضض، أو يغادرونها بأسرع وقت ممكن.
والحقيقة أن معظم الناس لا يهربون من عائلاتهم بقدر ما يهربون من المشاعر السلبية التي ترافق بعض التجمعات العائلية، تلك المشاعر التي تتحول مع الوقت إلى سبب مباشر للنفور من المناسبات واللقاءات الأسرية، فكم من شخص دخل مجلسًا عائليًا وهو مرتاح النفس، ثم غادره مثقلًا بالضيق والإحباط؟
قد تختلف الأسباب من حالة إلى أخرى، لكنها غالبًا ما تلتقي عند نقطة واحدة، وهي تجاوز حدود الخصوصية الشخصية، وكثرة النقد، وإصدار الأحكام، والتدخل في شؤون الآخرين تحت مسميات النصيحة أو الاهتمام.
فبعض الأقارب لا يرون حجم الجهد الذي بذلته، ولا التحديات التي واجهتها، ولا الظروف التي مررت بها، بل يركزون على ما ينقصك أو ما يرونه خطأً في حياتك، فتتحول خصوصياتك الشخصية إلى موضوع للنقاش، وأحيانًا إلى مساحة للتعليق وإبداء الآراء دون طلب منك.
فإذا خسرت وزنك سُئلت لماذا نحفت، وإذا زاد وزنك سُئلت لماذا سمنت، وإذا حققت نجاحًا قيل لك إن غيرك حقق أكثر، وإذا تعثرت في أمر ما وجدت من يذكّرك به أمام الجميع وكأنه حدث لا يجوز نسيانه.
ومع تكرار هذه المواقف، تبدأ الزيارة العائلية بفقدان جزء من دفئها، ويحل التوتر محل الراحة، لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن الأماكن التي يشعر فيها بالتقدير لا بالتقييم المستمر، ولا يتوقف الأمر عند النقد، بل تمتد المشكلة إلى المقارنات التي لا تنتهي، مقارنات بين الإخوة والأقارب والأبناء، وكأن لكل إنسان نموذجًا جاهزًا يجب أن يتطابق معه، فيُسأل البعض لماذا لم يحقق ما حققه أخوه، ولماذا لم يتزوج مثل ابنة خالته، ولماذا لم يشترِ بيتًا مثل ابن عمه، أو لماذا لا يتصرف أبناؤه كما يتصرف أبناء الآخرين.
وتكمن خطورة هذه المقارنات في أنها تتجاهل حقيقة بسيطة، وهي أن لكل إنسان ظروفه الخاصة، وقدراته المختلفة، وتحدياته التي لا يراها الآخرون، فبدل أن يشعر الفرد بأنه مقبول كما هو، يبدأ بالشعور أنه في سباق دائم لإثبات نفسه أمام أقرب الناس إليه.
ومن أكثر ما يدفع البعض إلى النفور من التجمعات العائلية تلك الأسئلة الشخصية التي تُطرح وكأن الإجابة عنها حق للجميع، دون مراعاة لخصوصية الفرد أو لمشاعره وظروفه، فهناك من يجد نفسه مطالبًا في كل لقاء بتفسير أسباب تأخر زواجه، أو تفاصيل طلاقه، أو عدم إنجابه، او التدخل في تعاملات الازواج مع بعضهم، أو حتى تبرير تصرفات أبنائه وخياراتهم.
وقد تبدو هذه الأسئلة عادية أو نابعة من الفضول بالنسبة لمن يطرحها، لكنها قد تلامس لدى الطرف الآخر تجربة مؤلمة أو جرحًا لم يلتئم بعد، فتتحول الزيارة من مناسبة اجتماعية إلى موقف دفاعي يشعر فيه الإنسان أنه مطالب بتبرير حياته وقراراته أمام الآخرين.
إلا أن القضية في جوهرها أعمق من النقد أو المقارنات أو الأسئلة المحرجة، فهي ترتبط بغياب الأمان العاطفي داخل بعض العلاقات الأسرية، فالأمان العاطفي يعني أن أشعر بأنني مقبول كما أنا، وأن اختلاف ظروفي أو قراراتي لا يجعلني موضع محاكمة أو تقييم مستمر، وأن أجد مساحة آمنة للتعبير عن نفسي دون خوف من السخرية أو الإحراج أو التقليل من شأني.
وعندما يغيب هذا الشعور، يبدأ البعض بالابتعاد تدريجيًا عن التجمعات العائلية، ليس لأنهم لا يحبون عائلاتهم، ولا لأنهم أصبحوا أقل وفاءً أو ارتباطًا، بل لأنهم يحاولون حماية صحتهم النفسية من الاستنزاف المتكرر.
ولهذا فإن العائلات التي تنجح في الحفاظ على ترابط أفرادها ليست تلك التي تكثر فيها اللقاءات فقط، بل تلك التي يشعر أفرادها فيها بالاحترام والتقدير والاحتواء، فالكلمة الطيبة تقرّب القلوب أكثر من مئات الأسئلة، والاستماع بتفهم يبني علاقات أقوى من أي نصيحة غير مطلوبة، والتقبل يجمع الناس أكثر من الأحكام والمقارنات.
فالناس لا يهربون من الأماكن التي يشعرون فيها بالحب، ولا يبتعدون عن الأشخاص الذين يمنحونهم الأمان، بل على العكس، يبحثون دائمًا عن البيئات التي تسمح لهم بأن يكونوا أنفسهم دون خوف أو تبرير.
وفي النهاية، ربما حان الوقت لأن نسأل أنفسنا سؤالًا مختلفًا كم شخصًا تعرفه توقف عن حضور التجمعات العائلية ليس لأنه لا يحب أهله، بل لأنه تعب من النقد والمقارنات والأسئلة التي لا تنتهي



