عاد إلى الواجهة مؤخراً النقاش حول إمكانية اعتماد نظام عطلة ثلاثة أيام أسبوعياً في الأردن، وهو نظام طُبّق أو جُرّب في عدد من الدول حول العالم بهدف تعزيز التوازن بين الحياة والعمل ورفع مستويات الرضا الوظيفي. ورغم ما يحمله هذا التوجه من جوانب إيجابية في بعض الاقتصادات المتقدمة، فإن تقييم جدواه في الأردن يتطلب قراءة متأنية تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة، بعيداً عن القياس المباشر على تجارب دول تختلف في مستويات الدخل والإنتاجية وهيكل الاقتصاد.
من أبرز المبررات التي تُطرح لتأييد أسبوع العمل المكوّن من أربعة أيام أن الموظف يصبح أكثر إنتاجية عند حصوله على وقت راحة أطول. إلا أن هذا الافتراض لا يبدو مضموناً في الحالة الأردنية، خاصة إذا تم تعويض يوم العطلة الإضافي عبر زيادة ساعات العمل اليومية.
فالدراسات الاقتصادية تشير إلى وجود علاقة عكسية بين عدد ساعات العمل والإنتاجية. وقد خلصت دراسة لمنتدى الاستراتيجيات الأردني إلى وجود علاقة سلبية قوية بين ساعات العمل وإنتاجية الفرد، بمعامل ارتباط سلبي يقارب (-0.73). وتزداد أهمية هذه النتيجة في ضوء حقيقة أن إنتاجية العامل الأردني لا تزال متواضعة نسبياً مقارنة بالمعدلات العالمية؛ إذ يحتل الأردن المرتبة 106 من أصل 184 دولة وفق بيانات منظمة العمل الدولية، بينما لا تتجاوز إنتاجية العامل الأردني نحو 18 دولاراً في الساعة في المتوسط.
ومن هنا، فإن تمديد ساعات العمل اليومية قد يؤدي إلى إرهاق العامل وتراجع إنتاجيته بدلاً من تحسينها، الأمر الذي قد يحد من الفوائد المتوقعة لهذا النظام.
ومن جهة أخرى فغالباً ما تستند الحجج المؤيدة لعطلة الثلاثة أيام إلى تجارب دول متقدمة اقتصادياً تتمتع بمستويات مرتفعة من الدخل الفردي والقوة الشرائية. غير أن المقارنة مع هذه الدول قد تكون مضللة إذا تجاهلنا الفجوة الكبيرة في مستويات الدخل.
فمتوسط دخل المواطن الأردني يقل عن نظيره في الدول التي طبقت هذا النظام بنسب تتراوح بين 32.2% مقارنة بجنوب أفريقيا وتصل إلى 86.5% مقارنة بآيسلندا. وفي ظل هذه المحدودية في الدخل المتاح للإنفاق، قد لا يتحول اليوم الإضافي للعطلة إلى زيادة ملموسة في الاستهلاك أو في الطلب على خدمات المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بل قد يبقى أثره الاقتصادي محدوداً.
وعلى صعيد المالية العامة، يطرح هذا المقترح تساؤلات مهمة حول كفاءة القطاع الحكومي وآليات إدارة الموارد العامة. ففي ظل ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، ووصول النفقات الجارية إلى ما يزيد على 112% من الإيرادات المحلية، يصبح من المشروع التساؤل: إذا كان بالإمكان إنجاز المهام الحكومية خلال أربعة أيام عمل بدلاً من خمسة، فهل تكمن الأولوية في تقليص أيام العمل أم في إعادة هيكلة القطاع العام وتحسين كفاءة الإنفاق؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تفتح الباب أمام إصلاحات أعمق وأكثر استدامة من مجرد تعديل عدد أيام العمل الأسبوعية، خاصة في ظل الحاجة إلى ضبط النمو المتسارع للدين العام وتعزيز الاستدامة المالية.
ومن الجوانب التي لا تحظى بالاهتمام الكافي في هذا النقاش أثر النظام المقترح على سوق العمل والأجور. فإذا تبنى القطاع الخاص مستقبلاً نظام أربعة أيام عمل أسبوعياً، فقد يتجه بعض أصحاب العمل إلى إعادة تسعير الوظائف على أساس عدد أيام عمل أقل، ما قد يخلق ضغوطاً انكماشية على مستويات الأجور.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التحديات القائمة في توزيع الدخل، حيث تشير البيانات إلى أن أفقر 50% من السكان في الأردن يحصلون على نحو 17.2% فقط من الدخل القومي. وبالتالي فإن أي ضغوط إضافية على الأجور قد تؤدي إلى تعميق التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن الأهمية بالمكان تناول هذا الامر من زاوية تأثيره على عمل المرأة حيث تضع رؤية التحديث الاقتصادي رفع مشاركة المرأة الاقتصادية ضمن أولوياتها الوطنية، خصوصاً أن معدل المشاركة الاقتصادية للمرأة في الأردن لا يزال دون 15%، وهو من أدنى المعدلات عالمياً.
وفي هذا السياق، فإن تقليص عدد أيام العمل مقابل زيادة ساعات العمل اليومية قد لا يكون بالضرورة في صالح المرأة العاملة، إذ قد يزيد من صعوبة التوفيق بين متطلبات العمل والأسرة، خاصة في ظل استمرار تحمل المرأة جزءاً كبيراً من الأعباء المنزلية والرعائية. ومن ثم قد يشكل هذا التوجه تحدياً إضافياً أمام الجهود الرامية إلى رفع معدلات مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي.
وعليه فإن فكرة عطلة الثلاثة أيام ليست فكرة سيئة بالضرورة، لكنها ليست وصفة جاهزة يمكن نقلها من دولة إلى أخرى دون مراعاة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية. وفي الحالة الأردنية، تبدو المكاسب المحتملة محدودة مقارنة بالمخاطر والتحديات المرتبطة بالإنتاجية، وسوق العمل، والأجور، والاستدامة المالية، ومشاركة المرأة الاقتصادية.
لذلك، فإن أي توجه لاعتماد هذا النظام ينبغي أن يسبقه نقاش وطني واسع ودراسات معمقة تقيس أثره المتوقع على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، لضمان أن يكون القرار منسجماً مع أهداف النمو الاقتصادي وتحسين رفاه المواطن الأردني، لا مجرد استنساخ لتجارب نجحت في بيئات اقتصادية مختلفة تماماً.



