*
الاثنين: 01 حزيران 2026
  • 01 حزيران 2026
  • 11:38
الذاكرة المقدسة اللون الجامع للثقافات
الكاتب: د.موفق زيادات

أكدت التوجهات الوطنية بأعلى مستوياتها الرسمية، والقيادات الروحية بمختلف أطيافها على أهمية التخطيط لإحياء ذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030 بوصفها محطة مفصلية تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي، لتطرح سؤالًا أعمق: كيف يمكن تحويل الذاكرة المقدسة إلى مشروع وعي وطني- عالمي يعيد تعريف دور الأردن في صناعة السلام الإنساني؟
إن استحضار هذا الحدث المقدس والذكرى الفريدة، يُنظر إليه بوصفه مشروعًا حضاريًا لصناعة وعي وطني وعالمي جديد، يرتكز على ترسيخ الدور الحضاري للأردن في بناء وتدويل قيم السلام والعيش المشترك والكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات.
ويؤكد تقديم الأردن كأرضٍ للرسالات، وحارسٍ للذاكرة المقدسة، وصاحب رسالة روحية وإنسانية قادرة على العبور من نهر المعمودية إلى ضمير العالم. فالأردن لا يحتضن مجرد موقع ديني، بل يحمل نموذجًا حضاريًا قائمًا على بعد إنساني عابر للحدود والثقافات يٌشهد له وطنيا وإقليميا وعالميا.
إن الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى لتتجسد على مساحات العمل بوصفها فضاءً يتجاوز الانتماء الديني الضيق ويؤكد أن حماية الذاكرة والإرث الروحي ليست مسؤولية دينية تخص فئة بعينها، بل مسؤولية حضارية جامعة تعبّر عن هوية الأردن التاريخية بوصفه أرضًا للرسالات والتنوع والعيش المشترك. فنجاح الاحتفالية يتطلب تحويل المناسبة إلى حالة وعي مجتمعي- يؤمن بأن التعدد الديني والثقافي مصدر قوة أخلاقية وحضارية، وترجمة سلوك يعزز اللحمة المجتمعية (الإنسا-طنية) المشتركة، وسردية عابرة للجغرافيا والتاريخ تعيد التذكير والتأكيد على أن التفاعل الوطني والعالمي المشترك يكملان بعضهما في مسار رمزي للعبور من الانقسام إلى اللقاء، ومن الصراع إلى التعايش، ومن الانغلاق الهوياتي إلى رحابة القبول الإنساني المشترك. 
وإن الوعي العميق لا يقوم على تقديم المغطس كمعلم ديني فحسب، بل أن المشرق عامة والأردن على وجه الخصوص لم يكن يومًا هامشًا في التاريخ الروحي، بل مركزًا لتشكّل الرسالات السماوية والقيم الأخلاقية الكبرى وما يزال موطن الرسالات السماوية ومنبع القيم الروحية الكبرى بوصفه رمزًا عالميًا ينقلنا من الخوف إلى الطمأنينة، ومن الصراع إلى العيش المشترك.
إن صناعة وترسيخ الوعي الوطني حول هذه المناسبة لا تقوم على استحضار الماضي بوصفه سردية تاريخية فقط، بل على إعادة صياغته كهوية جامعة تعترف بالتنوع الديني والثقافي كونه مصدر قوة لا عامل ضعف، وأساس وحدة لا تفكك.
يقتضي الانتقال من الوعي الوطني إلى الوعي العالمي إعادة تقديم الأردن بوصفه مساحة للحوار الإنساني العابر للحدود، من خلال أدوات ثقافية وروحية حديثة قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي. وإن جوهر الرهان في احتفالية 2030 لا يكمن في حجم الفعاليات أو كثافة البرامج، بل في القدرة على تحويل المناسبة إلى استثمار حضاري طويل الأمد. فالمطلوب ليس فقط إحياء ذكرى دينية، بل إنتاج سردية أردنية عالمية تعيد تعريف العلاقة بين المكان والإنسان والرسالة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من (رسالة عمّان) باعتبارها إحدى أهم المبادرات الفكرية الأردنية المعاصرة التي تؤكد أن الإسلام والمسيحية في الأردن ليسا روايتين متنافستين، بل شريكين في بناء الذاكرة الحضارية المشتركة للمشرق والدفاع عن قيم الكرامة والمحبة والعدل.
ولا بد من التركيز على الدور الشريك للجامعات ومراكز البحث، والإعلام، والمؤسسات الثقافية في صناعة هذا الوعي المشترك وترجمة حقيقية لفكرة المواطنة الجامعة، من خلال إنتاج معرفة علمية وثقافية حول المغطس. والإسراع بتأسيس (كرسي المغطس للدراسات الروحية والسلام) في الجامعات الأردنية، الذي يعزز دور الأردن المرموق كمركز دولي للحوار الديني والثقافي المنفتح، ودراسات السلام البحثية.
كما أن العمل الجاد على توثيق الذاكرة الروحية للأردن بوصفه فضاءً للتعدد والتلاقي. وتسخير المنصات الرقمية متعددة اللغات للعب دورا هاما يروي الحكاية الروحية للمغطس ونهر الأردن. وأن التخطيط لتخصيص قطع أراض لزراعة (غابات السلام) في الأغوار بأسماء شعوب العالم يؤسس لمناطق خضراء وبنية تحتية مستدامة مستقبلا. ولا يفوتنا أهمية دعم إنتاج أفلام وثائقية وأعمال فنية عالمية مبدعة تستحضر رسالة النهر بوصفها رسالة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والرمزية الدينية.
اخيرا
مع اقتراب عام 2030، يقف الأردن أمام فرصة تاريخية لا تكمن في استذكار حدث تاريخي فقط، بل في قدرتنا على تحويل الذاكرة المقدسة إلى مشروع وعي إنساني دائم، والظهور للعالم ليس فقط كحراس لموقع مقدس، بل كمالكين لرواية حضارية قادرة على مخاطبة العالم بلغة السلام والقبول والتعدد والاحترام المتبادل. وحين ننجح كأردنيين في الإيمان بهذه الرسالة أولًا، يصبح بإمكاننا تقديمها للعالم بوصفها نموذجًا للمشرق الذي لا يُبنى بالصراعات، بل بالشراكة الروحية والإنسانية التي ترى في اختلاف الأديان والثقافات طريقًا للتكامل لا للتنازع. فالمغطس ليس مجرد موقع على الخريطة، بل رسالة ممتدة في الزمن، تتحول إلى مشروع وعي عالمي يعبر من نهر الأردن إلى ضمير الإنسانية.

مواضيع قد تعجبك