*
الاحد: 31 أيار 2026
  • 31 أيار 2026
  • 09:12
إبراهيم لم يمت
الكاتب: عماد داود

إبراهيم لم يقدم خروفاً.
الخراف كانت تفصيلاً صغيراً في الحكاية.

إبراهيم قدّم الإنسان حين يقف عارياً أمام امتحانه الأخير — ثم يختار الحقيقة لا النجاة!

هذا بلاغ أخير إلى أمة تتوضأ بالخوف — ثم تسأل لماذا لا تنتصر!
ليس الدم.
بل أن يكون الضمير أثقل من الغريزة!

الأضحى هو اللحظة التي ينتصر فيها الضمير على الرعب.
اللحظة التي يهزم فيها الإنسان نفسه قبل أن يهزم العالم!

قبل أن يرفع السكين — كان إبراهيم يعرف أن الألم الحقيقي ليس في الذبح.
بل في تلك اللحظة الصامتة قبله.
حين يقف الإنسان وحده أمام كل ما أحبه — ويختار مع ذلك الحقيقة.

حين رفع السكين — لم يكن يذبح ابناً.
كان يذبح التردد.
والعبودية.
وذلك الصوت الصغير الذي يجعل البشر يركعون وهم يظنون أنهم ينجون!

لهذا خلد إبراهيم.
ولهذا امتلأ التاريخ بأمم كاملة ماتت وهي ما تزال تتنفس!

الفرق بين إبراهيم وبيننا ليس في الزمن.
بل في أننا نعرف ما يجب فعله — ثم نجلس!

في غزة — في هذا العيد — لا أحد يشرح معنى الأضحى أكثر من الركام نفسه.
حيث طفل يفتش بين الحجارة عن فردة حذاء تخص أخاه الشهيد.
وحيث أم تكبّر بصوت مكسور كي لا ينكسر ما تبقى منها.

في غزة لا يُرفع التكبير من مآذن مترفة.
بل من حناجر خرجت لتوها من تحت الموت!

تكبير فوق الركام. خشن. متعب. جريح.
لكنه أنقى من كل الخطب المصقولة التي تتحدث عن الأمة وهي تخشى حتى سماع اسمها الحقيقي!

أي عيد هذا — وأطفال غزة ينامون على أصوات القصف بدل الحكايات!
وأمة كاملة تعرف القاتل — ثم تتصرف كأن الدم مسألة وجهات نظر.

العواصم مشغولة.
برسائل كل عام وأنتم بخير — حتى لمن لم يبق فيه شيء يكون بخير أصلاً!

إبراهيم لم ينتظر إذناً من أحد.
لم يطلب موافقة إمبراطورية.
ولا ختماً من مجلس أعلى للخوف العربي!

كان وحده — وكل الحقائق العظيمة تبدأ وحيدة!

لهذا يبدو عالمنا اليوم صغيراً إلى هذا الحد:
عالم يملك الجيوش — لكنه يخاف الموقف.
ويملك النفط — لكنه يستجدي القرار.
ويملك اللغة — لكنه يرتعب حين تتحول الكلمات إلى أفعال!

الأضحى ثورة على الأصنام.
إبراهيم كسر الصنم قبل أن يرفع السكين.
وكسر الخوف قبل أن يكسر الصنم.

لكننا نهدم الأصنام القديمة — ثم نبني أصناماً أكثر أناقة ووحشية:
صنم الواقعية. وصنم المصلحة. وصنم التوقيت غير المناسب. وصنم الانتظار الذي ابتلع هذه الأمة حتى العظم.

ثم نضع فوق مذابحها أكثر ما هو مقدس:
الكرامة. والحقيقة. والضمير!

أي سقوط هذا — وأمة تملك لغة هزّت الحضارات تخاف جملة واحدة صادقة!

إبراهيم لم يكن يملك شيئاً بمعايير هذا العصر.
لا جيشاً. لا نفطاً. لا تحالفات. ولا بيانات إدانة تُكتب بحبر ميت.

كان يملك يقيناً واحداً فقط.
وكان ذلك اليقين أثقل من إمبراطوريات كاملة!

الذين يموتون فعلاً — هم أولئك الذين يطفئون أصواتهم بأيديهم.
ويعتادون الانحناء حتى يصبح الوقوف مؤلماً!

التضحية الحقيقية ليست فيما يُذبح.
بل فيما ترفض أن تذبحه داخلك.
أن تقول لا حين تصبح اللا خطراً.
أن تتمسك بالحقيقة حين تتحول إلى تهمة!

كل عام — وغزة تفضح هذا العالم العاجز!
كل عام — والركام أكثر شرفاً من المنابر الباردة!
كل عام — وهذه الأمة قد تتعب وقد تنزف وقد تصمت طويلاً.
لكنها حين تتذكر من كان إبراهيم — يرتجف التاريخ كله!

لأن إبراهيم لم يمت.
ولأن الأمم لا تموت حين تُقصف — بل حين تعتاد الركوع!
ولأن الحقيقة — مهما تأخر صوتها — تعرف دائماً كيف تشق طريقها إلى السماء!

عماد داود
[email protected]

 

مواضيع قد تعجبك