*
الاحد: 31 أيار 2026
  • 31 أيار 2026
  • 00:51
التوقيف الإداري بين مقتضيات الأمن العام وضمانات الحرية الشخصية
الكاتب: المحامي موسى جودت الضروس

يُعدّ التوقيف الإداري من أبرز الصلاحيات التي منحها المشرّع الأردني للحاكم الإداري بموجب قانون منع الجرائم، وذلك بهدف المحافظة على الأمن والنظام العام ومنع وقوع الجرائم قبل حدوثها، إلا أنّ هذه الصلاحية، رغم طابعها الوقائي والاحترازي، تمسّ بصورة مباشرة الحرية الشخصية التي كفلها الدستور الأردني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

ويستند التوقيف الإداري إلى السلطة التقديرية الممنوحة للحاكم الإداري بموجب المادة (3) من قانون منع الجرائم، والتي تجيز له اتخاذ إجراءات بحق أشخاص يعتقد بوجود خطر من بقائهم أحراراً طلقاء، أو بحق من يوجدون في ظروف تثير الشبهة أو ممن اعتادوا ارتكاب بعض الأفعال الجرمية، غير أنّ الإشكالية الرئيسة تكمن في غموض بعض العبارات الواردة في القانون، وعلى رأسها معيار “الاعتقاد بوجود خطر”، الأمر الذي يفتح المجال أمام تفاوت التفسير واتساع نطاق السلطة التقديرية.

كما تزداد أهمية هذا الموضوع بالنظر إلى ما ينطوي عليه من توازن دقيق بين متطلبات الحفاظ على الأمن العام وبين ضمان احترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. فالأصل أن تكون الحرية الشخصية مصونة، وألا يُلجأ إلى التوقيف الإداري إلا ضمن الحدود التي رسمها القانون وبما ينسجم مع مبدأ المشروعية.

ومن هنا تبرز أهمية الرقابة القانونية والقضائية على قرارات التوقيف الإداري باعتبارها الضمانة الأساسية لمنع التعسف في استعمال السلطة، وبما يكفل خضوع هذه القرارات للرقابة على أسبابها وغاياتها ومدى توافقها مع أحكام الدستور والقانون.

إنّ تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن العام وحماية الحرية الفردية يقتضي تطوير الأطر القانونية الناظمة للتوقيف الإداري، وتوضيح معايير تطبيقه، وتعزيز الضمانات القانونية والقضائية المرتبطة به، بما يرسخ مبادئ دولة القانون ويحافظ في الوقت ذاته على أمن المجتمع واستقراره.

واخيراً، من وجهة نظري فان الإشكالية الرئيسة تكمن في مدى كفاية الرقابة القضائية على قرارات التوقيف الإداري في الحد من السلطة التقديرية الممنوحة للحاكم الإداري بموجب قانون منع الجرائم، ولا سيما في ظل غموض معيار “الاعتقاد بوجود خطر” الذي قد يفتح المجال لاختلاف التفسير واتساع نطاق السلطة التقديرية بما قد يمسّ الحقوق والحريات الأساسية للأفراد، وانطلاقاً من ذلك، أرى أن معالجة هذه الإشكالية تقتضي إعادة النظر في النصوص القانونية ذات الصلة وتحديد معايير أكثر وضوحاً ودقة لحالات التوقيف الإداري، وتعزيز الرقابة القضائية على هذه القرارات، وإلزام الإدارة بتسبيبها وتعليلها تعليلاً قانونياً كافياً، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الحفاظ على الأمن والنظام العام من جهة، وصون الحرية الشخصية ومبدأ المشروعية من جهة أخرى.

مواضيع قد تعجبك