*
الاحد: 24 أيار 2026
  • 24 أيار 2026
  • 10:19
كيف يصنع المجتمع المدني معنى الذكرى ورسالتها
الكاتب: د.موفق زيادات

(بين الرمزية الروحية والاستحقاق الوطني، تبرز الحاجة إلى دور مجتمعي منظّم يحوّل المناسبة من ذكرى تُستعاد إلى مشروع يُبنى ويترك أثره في الناس والمكان)
الدكتور موفق الزيادات 22 أيار 2026 
في المنعطفات التاريخية الكبرى، لا تكتفي الأمم باستعادة الذاكرة، بل تجعل من الذكرى مناسبة لإعادة تعريف نفسها وصياغة صورتها أمام العالم. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب مناسبة إحياء الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عليه السلام عام 2030 معناها الأعمق؛ فهي ليست محطة احتفاء عابر، بل فرصة وطنية وأخلاقية وثقافية يستطيع المجتمع الأردني من خلالها أن يقدّم نفسه بوصفه حاملًا حيًّا لقيم التعايش والرحمة والانفتاح، وصانعًا لرسالة إنسانية يمتد أثرها إلى الوعي العام والحياة الثقافية والتنموية.
وهنا يتقدم المجتمع المدني إلى صدارة المشهد، لا بوصفه طرفًا مساندًا فحسب، بل باعتباره القوة الاجتماعية الأقدر على تحويل الرمزية إلى فعل، والمعنى إلى مبادرة، والرسالة إلى مشروع يلامس الناس ويترك أثره فيهم. فبما يمتلكه من موارد وقدرات ثقافية وشبابية وتطوعية وتعليمية، يستطيع أن يهب هذه المناسبة حياة تتجاوز كونها حدثًا تاريخيًا، وأن يصل بين بعدها الروحي واحتياجات الواقع، وأن يجعلها أقرب إلى وجدان الأجيال الجديدة وأكثر اتصالًا بتطلعاتها وأمنياتها وأحلامها.
لهذا، فإن الجهود الرسمية والكنسية، على ضرورتها وأهميتها لقيادة المناسبة إلا أنها لا تكفي وحدها لإنجاح مشروع بهذا الاتساع، لأن أي استحقاق وطني لا يكتمل أثره ما لم يجد صداه الحقيقي في المجتمع نفسه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى شراكة واسعة تجعل من المجتمع المدني الجسر الذي تعبر من خلاله الرسالة الكبرى إلى الناس أولًا، ثم إلى العالم، فيتحول الإحياء من نطاق الاحتفاء الرمزي إلى أفق مشروع وطني جامع يعيد ترسيخ صورة الأردن بوصفه فضاءً للسلام والتسامح والتلاقي.
وتزداد قيمة هذا الدور حين تُبنى الأفكار والمبادرات على معرفة دقيقة بنبض المجتمع وتطلعاته، لا على تصورات معزولة عنه أو مفروضة من خارجه. لذلك تبدو الحاجة ماسة إلى إطار مؤسسي منظم يستطلع الآراء عبر دراسات ميدانية وحلقات نقاش مجتمعية ومنصات رقمية لتلقي المقترحات، ثم يحوّل هذه الأفكار إلى برامج قابلة للتنفيذ بإشراف رسمي (حكومي وكنسي وتنظيم مجتمعي رشيد). ومن الأمثلة العملية على ذلك: إطلاق منصة وطنية لاستقبال المبادرات المجتمعية، وتنظيم منتديات حوار في المحافظات، وإشراك الجامعات في مسابقات بحثية وإبداعية حول المعنى الحضاري للمناسبة ودور الأردن في ترسيخ ثقافة السلام.
وفي هذا السياق، تؤدي الرعايا الكنسية دورًا يتجاوز حدود الرعاية الروحية إلى الشراكة المباشرة في طرح المبادرات واحتضانها وتبنيها وتنفيذها. فهي، بحضورها القريب من الناس، تملك قدرة خاصة على تعميق روح الانتماء والمشاركة، وعلى نقل الرسالة الإنسانية لهذا المشروع من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة اليومية. ويمكن أن يتجسد هذا الدور في تنظيم أيام خدمة تطوعية، وبرامج شبابية للحوار والتبادل الثقافي، وورش عمل للأسر والأطفال تربط القيم الروحية بممارسات عملية في التضامن والمسؤولية المجتمعية.
ومن هنا، لا ينبغي أن يُختزل إحياء هذه المناسبة في برنامج احتفالي أو سلسلة فعاليات عابرة، لأن قيمة الإحياء لا تُقاس بكثافة ما يُنظم من أنشطة، بل بقدرته على إنتاج أثر إنساني وثقافي باقٍ. والمطلوب أن يُبنى هذا الاستحقاق بوصفه مشروعًا وطنيًا وإنسانيًا يعيد تقديم رسالة السلام بلغة العصر وروح المكان، ويترجم معاني المحبة والرحمة والكرامة والتسامح إلى مبادرات مجتمعية حيّة ومستدامة.
ولا يقتصر دور المجتمع المدني على الجوانب الروحية والثقافية والسياحية، بل يمتد إلى دعم التنمية المحلية في مناطق الأغوار والمواقع الدينية المحيطة، من خلال تمكين المجتمعات المحلية وتشجيع المشاريع الصغيرة وتعزيز المبادرات المجتمعية المستدامة. ويمكن ترجمة ذلك عمليًا عبر تدريب شباب المنطقة على الإرشاد الثقافي والسياحي، ودعم تعاونيات نسائية لإنتاج الحرف والمنتجات المحلية، وإنشاء بيوت ضيافة مجتمعية، وتنظيم أسواق موسمية تربط الزائر بالمكان وسكانه. وبهذا يصبح أبناء تلك المناطق شركاء حقيقيين في الحدث العالمي، لا مجرد مستقبلين لعوائده.
العالم اليوم لا ينجذب إلى الأماكن بوصفها مواقع جامدة بقدر ما ينجذب إلى ما تحمله من سرديات إنسانية وروحية قادرة على ملامسة الضمير العالمي. ومن هنا، يملك الأردن فرصة نادرة لأن يبني، انطلاقًا من إرثه الديني والإنساني، مشروعًا حضاريًا متكاملًا يجعل من إحياء هذه الذكرى استحقاقًا وطنيًا ذا امتداد عالمي. وفي قلب هذا المشروع يبقى المجتمع المدني هو القوة التي تمنحه روحه الحية واستدامته الفعلية، لأنه الأقدر على تحويل رسالة السلام التي انطلقت من ضفاف نهر الأردن إلى فعل متجدد في الثقافة والتعليم والتنمية والحياة العامة. فالمناسبات الكبرى لا تخلّدها الذاكرة وحدها، بل تخلّدها المجتمعات حين تعرف كيف تحوّل رمزيتها إلى عمل، ورسالتها إلى مستقبل.
د موفق زيادات خبير التطوير المؤسسي

مواضيع قد تعجبك