الدكتور زيد احمد المحيسن
في الخامس والعشرين من أيار، تقف المملكة الأردنية الهاشمية على موعدٍ مع ذاكرتها الأولى، يومٍ تحوّل فيه الحلم إلى دولة، والتاريخ إلى سيادة، والانتظار إلى ولادة وطنٍ يخطّ طريقه بثبات بين الأمم. إنه يوم الاستقلال، الذي لم يكن مجرد لحظة انفصال سياسي، بل كان إعلانًا لقيام دولة تسندها الإرادة، وتنهض بها الهوية، وتتشكل ملامحها على امتداد جهدٍ وطني طويل.
جاء الاستقلال عام 1946 ليؤسس لمرحلة جديدة من البناء، حيث تتابعت الأدوار والإنجازات في مسيرة الدولة الحديثة. فقد ارتبطت الشرعية في التجربة الأردنية بثلاثة مرتكزات متكاملة: الشرعية الدينية المستمدة من الانتماء إلى العترة النبوية الشريفة عبر آل البيت، والشرعية القومية المتجذرة في الإرث العربي وثورة النهضة العربية التي قادها الشريف حسين بن علي، ثم شرعية الإنجاز التي تجسدت في بناء المؤسسات وتعزيز الدولة الحديثة.
وفي سياق التطور السياسي والدستوري، شكّل عهد الملك طلال محطة محورية مع صدور دستور 1952، الذي رسّخ أسس الدولة الدستورية، فيما واصل الملك الحسين بن طلال مسيرة البناء والتحديث، فكان عهده عنوانًا للاستقرار وتشكيل مؤسسات الدولة، بينما واصل الملك عبد الله الثاني مسار التحديث وتعزيز التنمية والانفتاح على العالم.
ولم يكن مسار الدولة الأردنية قائمًا على السياسة وحدها، بل على رؤية أوسع تقوم على الاعتدال والوسطية، حيث تبنت الأردن خطابًا متوازنًا في علاقاتها الإقليمية والدولية، وسعت إلى ترسيخ صورة الإسلام الوسطي، وهو ما تجلّى في مبادرة رسالة عمان التي أكدت قيم التسامح ونبذ التطرف، ورسخت ثقافة الحوار بين الأديان والثقافات، وصولًا إلى أسبوع الوئام العالمي بين الأديان الذي جعل من عمان منبرًا عالميًا للوئام الإنساني.
وفي الداخل، برز نهج الأصالة والمعاصرة كمعادلة دقيقة، حافظت على الهوية الوطنية والعمق الثقافي، وفي الوقت ذاته دفعت باتجاه التحديث في التعليم والصحة والخدمات، ليكون الإنسان الأردني محور التنمية وغايتها. وقد ترافقت هذه الجهود مع الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير القطاعات الحيوية، وتعزيز التعليم العالي الذي توسع ليشمل أكثر من ثلاثين مؤسسة جامعية، بما يعكس اهتمام الدولة ببناء الإنسان قبل العمران.
أما في الجانب الاقتصادي، فقد أسهم الأمن والاستقرار في تشكيل بيئة جاذبة للاستثمار، ما عزز الثقة بالاقتصاد الوطني، وفتح المجال أمام مشاريع استراتيجية في الطاقة المتجددة، والمياه، والنقل، والمدن الحديثة، إضافة إلى تطوير مناطق مثل العقبة ومشاريع العاصمة في عمّان، إلى جانب معالم حضارية عالمية مثل البتراء ووادي رم والبحر الميت.
وهكذا، فإن الاستقلال في الأردن ليس ذكرى تُروى فقط، بل مسيرة مستمرة من البناء والتحديث، تتداخل فيها الدولة مع الإنسان، والتاريخ مع الحاضر، والطموح مع الواقع. إنه يوم يُعيد فيه الأردنيون قراءة هويتهم، ويجددون فيه العهد بأن تبقى الراية مرفوعة، وأن يستمر الوطن في السير نحو مستقبل أكثر قوة وازدهارًا، تحت راية السيادة والكرامة.



