ما لا يعلمه غالبية الناس ان الأردن لعب دوراً رئيسياً وأساسياً مهماً جداً في إنقاذ الأرشيف الفلسطيني وتم نقله من القدس وغزة الى الأردن بالتنسيق مع منظمة الأونروا .
لا يخفَ على أحد الإستهداف الصهيوني ( لمحو ) ( وشطب ) ( وإخفاء ) كل ما يتعلق بفلسطين والفلسطينيين من الوجود . لأن كل وثيقة تثبت فلسطينية فلسطين والفلسطينيين تعتبر دليلاً أكيداً يدحض روايتهم الصهيونية ، ويؤكد انهم غُزاة مُحتلون ، مستعمِرون إحلاليون . لذلك يعملون دون كلل او ملل لإخفاء فلسطينية كل شيء .
سبق لي ان زرت الضفة الغربية وغزة حوالي ( ٧ ) مرات خلال الأعوام ١٩٩٧ — ٢٠٠٢ ، وتجولت في فلسطين كلها ، وكأنني في مهمة عروبية ، ليزداد قهري ، ويتعاظم غيضي ، ويتمركز ندمي ، وتتركز خيبتي وخذلاني كعربي ، متسائلاً : ما الأسباب التي دعتنا للتفريط في أرضٍ عربية إسلامية مسيحية مباركة بل مقدسة ؟ وهي مسرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم ، معتقداً ان دور الخيانة كان أعظم وأخطر من التهاون والوهن .
في إحدى زياراتي تعرفت على شخص فلسطيني كان مسؤولاً كبيراً في إحدى الوزارات الفلسطينية ، وكانت المعرفة على إثر مشادة بيني وبين أحد الوزراء الفلسطينيين ، لخطأ قاتل إرتكبه أثناء حديثه ، حيث أساء فيه للأردن إساءة عظيمة . فدعوته ليتناول فنجاناً من القهوة معي في الفندق . المهم بدأت أتساءل عن مشاهداتي عما يفعله العدو في القدس الشريف ، لأنه مقدسي ، وما يُحدِثه من تغييرات . ففاجأني عندما قال : التغييرات التي يقوم بها العدو أكثر خطورة مما تعتقد . وعرض ان يطلعني على بعض الأمور على الواقع ، فوافقت دون تردد . فأخذني الى بعض المباني التي تبدو قديمة ، ومن ضمن المبنى هناك أحجاراً عليها نقوش بارزة لنجمة داوود ، والشمعدان اليهودي . فتساءلت : كيف حصل هذا ؟ قال بإختصار : يصادرون المبنى ، ويرقمون الحجارة ، ويصورون المبنى ويضعون له المخططات الهندسية الدقيقة المتكاملة ، التي تمكنهم من إعادة المبنى كما كان قبل الهدم . بعذ ذلك يقومون بهدم المبنى ويعيدون كل حجر في مكانه السابق بالضبط ، وينحتون على بعض الأحجار نجمة داوود ، او الشمعدان اليهودي ، ويعيدونها مكانها ، ليثبتوا انهم أصحاب الأرض .
الكيان يَعتبر أي أرشيف فلسطيني يوثق أصول الشعب الفلسطيني هو بمثابة تحدٍ ، يُنكر عليهم وجودهم ، ويدحض إدعاءاتهم بأنهم أصحاب الأرض .
وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين ( الأونروا ) التي أسسها المجتمع الدولي عام ١٩٤٩ بعد النكبة ، لديها وثائق وأرشيف عظيم ، ضخم ، يسجل ويثبت كل ما يؤكد فلسطينية الفلسطينيين . حيث لديها شهادات الميلاد ، وعقود الزواج ، وشهادات الوفاة ، لكافة الفلسطينيين ، منذ تأسيسها عام ١٩٤٩ .
إستشعرت الأونروا الخطر ، منذ بدء الإحتلال بالتضييق عليها في نشاطاتها المتعلقة بتقديم الخدمات ، والمساعدات للفلسطينيين . فاعتقدت ( صائبة ) بأن تضييق الإحتلال عليها ، سينتهي بمصادرة وحرق وإتلاف كافة الوثائق التي بحوزتها ، لطمس الإرث الفلسطيني ، والتخلص مما يثبت انهم أصحاب الأرض ، وأن العدو طاريء عليها . وكان هذا الأرشيف الذي يتكون من مئات ملايين الوثائق موزع بين القدس الشريف ، وقطاع غزة .
فقامت الأونروا مشكورة بالتفكير في نقل كل ما لديها من أرشيف كبير وخطير الى خارج الأراضي المحتلة ، فعرضت الأمر على قُطرٍ عربي شقيق ، ليتم نقل الأرشيف اليه للمحافظة عليه ، وإبقائه في مأمن ، خوفاً من ان تطاله يد الإحتلال ، شريطة ان يتم النقل بسرية تامة عن العدو الصهيوني . إلا ان هذا القُطر العربي فاجأهم ( بالرفض ) ، وإنه يشترط موافقة الإحتلال ، بعدها ينظر في الأمر .
وتساءلت الأونروا : كيف نحصل على موافقة العدو ونحن نود ان نبعده عنه حتى لا يكون في متناوله ، وحتى لا يصادره ويحرقه ؟ حيث سيتحول الأمر الى كأننا نخبره عنه ، وندله عليه حتى يصادره ويتخلص منه .
فلجأت الأونروا الى الأردن ، بلد النخوة ، والعروبة ، والشهامة . فوافق الأردن بدون تردد ، مُرحِباً بالفكرة ، ومستعداً بكل ما يلزم لتنفيذها بسرية تامة عن العدو . كيف لا ؟ والأردن هو توأم فلسطين ؟
حصل ذلك عام ٢٠٢٤ ، وتمت المباشرة بنقل كافة الأرشيف الفلسطيني من القدس وغزة ، بسرية تامة ومطلقة ، وبحصافة وذكاء وحذر شديدين ، بتعاون بين الأردن والأونروا . وإستمرت عمليات النقل حوالي ( ١٠ ) شهور ويزيد . ولم تتوقف عمليات النقل مطلقاً ، إلا بعد ان وصل كافة الأرشيف الفلسطيني الذي بحوزة الأونروا الى الأردن ، وزال الخطر ، واصبحت كافة وثائق الفلسطينيين منذ عام ١٩٤٩ في أمان تام .
والآن ، وفي عمّان تمت رقمنة أكثر من ( ٣٠ ) مليون وثيقة من الأرشيف الفلسطيني ، حيث يعمل أكثر من ( ٥٠ ) موظفاً على مسح عشرات ملايين الوثائق ضوئياً ، من ضمنها بطاقات تسجيل لاجئين أصلية ، ووثائق تاريخية مرتبطة بالنزوح الفلسطيني . وذكرت صحيفة الغارديان اللندنية ، بأن الأونروا تسعى مستقبلاً الى تمكين كل لاجيء فلسطيني من الوصول الى شجرة عائلته ، ووثائقة الرسمية ، إضافة الى إعداد خرائط توثق أنماط التهجير الفلسطيني عام ١٩٤٨ .
ونقلت صحيفة الغارديان عن أكاديميين وباحثين قولهم : إن أرشيف الأونروا يعتبر سجلاً أساسياً للتاريخ الوطني الفلسطيني ، في ظل غياب أرشيف وطني فلسطيني موحد . كما يمثل مصدراً مهماً لفهم أحداث النكبة والنزوح الفلسطيني ، وتداعياتها السياسية والإنسانية المستمرة منذ أكثر من ( ٧٥ ) عاماً . الأرشيف يثبت سجلات عائلات بأكملها ، ويحتوي على وثائق الأملاك المسجلة بأسمائهم ، وأسماء المدن والقرى التي تم تهجيرهم منها ، كما يثبت أسماء وتفاصيل عن قرى تم محوها عن الأرض .
تم نقل الأرشيف في صناديق تابعة لجمعية خيرية أردنية ونقلت بواسطة الشاحنات بسرية تامة . ولم يتم الكشف عن العملية الا بعد ان نشرت صحيفة الغارديان اللندنية تفاصيل تلك العملية التي تمت بسرية تامة ، ودقة عالية .
نجاح هذه العملية الخطيرة ، والمهمة جداً ، هو نجاح في المحافظة على الإرث الفلسطيني الذي يحاول العدو الصهيوني طمس كافة معالمه ، لإثبات حقوق الفلسطينيين في أرضهم المحتلة من قبل الكيان الصهيوني .
شكراً للأردن على موقفه القومي النبيل . وشكراً لمنظمة الأونروا التي أثبتت انها منظمة إنسانية مرموقة على موقفها الإنساني الشريف . وشكراً للقائمين على إدارة الأونروا على نزاهتهم وحرصهم في المحافظة على ما تم ائتمانهم عليه ، حيث أدوا الأمانة بنزاهة وشرف .
وأختم بموضوعين :—
الأول :— على كل عربي حُرّ ان يقدِّر ويثمِّن دور الأردن عالياً ، لقيامه بهذا الدور المهم والعظيم في الوقت الذي اعتذر فيه قُطر عربي شقيق عن القيام بالمهمة مشترطاً موافقة العدو . كيف يستقيم ذلك والدافع لكل العملية الخوف من العدو ذاته ؟ يا عيب العيب .
الثاني :— الكُتّاب الأردنيون الذين يشبهون ( هاتف الشارع ) ، لماذا لم يكتبوا عن هذا الدور القومي العظيم الذي قام به الأردن ، ويبرزونه كما يستحق !؟



