ليس أخطر على الأمم من لحظة تتحول فيها الأسئلة إلى جريمة، والتفكير إلى تهمة، والبحث عن الحقيقة إلى خروج على الطاعة الفكرية.
وما جرى بعد رحيل الدكتور ضياء العوضي لم يكن مجرد خلاف حول طبيب أو نظام غذائي، بل كان مشهدا كاشفا لحالة أعمق؛ حالة أمة أرهقها المرض حتى صارت تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الداء نفسه.
فالرجل، شئنا أم أبينا، لم يكن ساحرا يبيع الوهم على قارعة الطريق، ولا مشعوذا يخلط الأعشاب في الأزقة المظلمة، بل طبيب تخرج في كلياتهم، وحمل شهاداتهم، وعمل في مستشفياتهم، ووقف فوق منصاتهم العلمية سنوات طويلة.
ثم ما إن اختلف معهم، حتى أراد بعضهم أن ينزع عنه كل شيء، حتى تاريخه.
وهنا تبدأ المأساة.
لقد صار الإنسان قادرا على مناقشة كل شيء؛ السياسة، والدين، والتاريخ، وحتى أكثر القضايا حساسية… لكن ما إن يقترب من مساءلة المنظومات الكبرى، حتى يُعامل وكأنه ارتكب خطيئة فكرية لا تُغتفر.
إياك أن تسأل: لماذا تتطور وسائل العلاج بوتيرة مذهلة، بينما تتسع في المقابل دائرة الأمراض المزمنة والمرضى بصورة غير مسبوقة؟
ولماذا تحولت الصيدليات إلى جزء من أثاث الحياة اليومية؟
ولماذا يولد الطفل اليوم وفي انتظاره قائمة أدوية أطول من قائمة أحلامه؟
إن الإنسان البسيط حين يسمع طبيبه يقول له: ستأخذ هذا الدواء مدى الحياة،
فمن حقه أن يرتجف.
ومن حقه أن يسأل: أي طب هذا الذي لا يملك إلا إدارة العطب، لا صناعة العافية؟
لقد أقنعوا الناس أن المرض المزمن قدر لا يراجع، وأن الحبة اليومية صارت كالماء والهواء، وأن الاعتراض على ذلك جهل أو مؤامرة أو تهديد للعلم.
أي علم هذا الذي يغضب من السؤال؟
العلم الحقيقي لا يخاف من الشك، بل يولد منه.
أما الكهنوت، فهو الذي يرتعب حين يفكر الناس خارج النصوص المقدسة التي كتبها المنتفعون.
ولست هنا أهاجم الطب؛ فالطب من أعظم منجزات البشرية حين يكون رحمة لا تجارة، ونجدة لا استثمارا في خوف البشر.
لكن المصيبة تبدأ حين تتحول صحة الإنسان إلى سوق عالمية، تقاس فيها قيمة المريض بما يستهلكه لا بما يشفى منه.
لقد صار العالم المعاصر غريبا بصورة مرعبة: شركات تصنع غذاء يمرض الناس، ثم شركات أخرى تبيعهم دواء يخفف آثار ذلك الغذاء، ثم يخرج علينا خبراء يطالبوننا بالشكر لأننا ما زلنا أحياء.
أي عبث هذا؟
إن كثيرا من الناس لم يتبعوا ضياء العوضي لأنهم يكرهون العلم، بل لأنهم تعبوا من الشعور أنهم مشاريع أمراض مؤجلة.
تعبوا من حياة: يبدأ صباحها بحبة،
وينتهي ليلها بحبة،
وتقاس أعمارهم فيها بعدد التحاليل لا بعدد الأحلام.
ولذلك، حين قال لهم رجل: غيروا طعامكم… ناموا جيدا… تحركوا… لا تجعلوا الدواء إلها صغيرا فوق موائدكم،
أحبوه.
ليس لأنهم ضد الطب، بل لأنهم يبحثون عن معنى آخر للحياة.
لكن ما حدث بعد موته كان لافتا؛
فبدل أن يناقش كثيرون أفكاره بهدوء، انشغلوا بتحطيم صورته، والسخرية من أتباعه، وكأن المعركة لم تعد مع رجل، بل مع فكرة أخطر: أن الإنسان قد يستطيع يوما أن يستعيد شيئا من حريته الصحية.
وهنا ترتفع الأسئلة الثقيلة.
هل تخشى المنظومات الكبرى الإنسان المفكر؟
هل تخاف من بشر يقل استهلاكهم، ويكثر وعيهم؟
هل صارت العافية نفسها خطرا اقتصاديا على عالم يقوم جزء منه على استدامة المرض لا إنهائه؟
لا أملك جوابا نهائيا، لكنني أعلم شيئا واحدا: أن الأمة التي تمنع السؤال تموت ببطء، حتى لو امتلأت مستشفياتها بالأجهزة اللامعة.
لقد قتلوا سقراط بالسم لأنه أزعج يقينهم، وحاكموا غاليليو لأنه أهان غرورهم، وسيبقى كل عصر يطارد من يسأل الأسئلة المزعجة، لا لأن السؤال خطير دائما، بل لأن التفكير الحر يهز عروش المعتاد.
ومع ذلك، فإن الإنصاف واجب.
فليس كل مختلف نبيا، ولا كل مشهور مصلحا، ولا كل من انتقد شركات الدواء صار منقذا للبشرية.
لكن كذلك… ليس كل من دافع عن النظام القائم عالما محايدا منزها عن المصالح والسلطة والخوف.
إن الحقيقة لا تولد من التقديس، ولا من الشتائم، بل من الحوار الحر، والعقل الحر، والإنسان الحر.
وربما كانت متلازمة ضياء العوضي في حقيقتها ليست قصة طبيب، بل قصة عالم فقد ثقته بكل شيء… حتى صار يبحث عن الخلاص في أي صوت يقول له: ما زال جسدك لك… ولم يتحول بالكامل إلى ملف في خزائن الشركات.
متلازمة السؤال في جوهرها ليست دعوة للتمرد الأعمى على الطب أو العلم، بل هي صرخة لاستعادة الذات في عالم بدت فيه الآلة — بكل ما تحمله من مؤسسات ومنظومات — أكبر من الإنسان.
إننا لا نحتاج إلى أنسنة العلم فحسب، بل نحتاج إلى أنسنة الحياة ذاتها؛ أن ندرك أن صحتنا ليست مجرد أرقام في ملف طبي، وأن أعمارنا ليست فترات صلاحية للمواد الكيميائية.
إن الدرس الحقيقي الذي يتركه لنا رحيل أمثال ضياء العوضي ليس في صحة أو خطأ ما طرحوه من وصفات، بل في تلك الرعدة التي أصابت المنظومة حين واجهت فردا يرفض أن يكون مجرد رقم في سجلات المستهلكين.
فلنمارس حقنا في السؤال، لا من أجل الهدم، بل من أجل بناء وعي يعيد للإنسان سيادته على جسده، وللعقل حصانته ضد التوجيه.
إن الأمة التي تظلل سماءها أسئلة حرة، هي وحدها التي تملك فرصة العبور من إدارة العطب إلى صناعة الحياة.
فلا تخشوا التساؤل؛ فالحقيقة التي لا تتحمل السؤال لا تستحق أن تُصدق، والعافية التي لا تنبع من وعي وإرادة حرة… تبقى وهما مؤقتا.



