*
الاربعاء: 20 أيار 2026
  • 20 أيار 2026
  • 17:19
لماذا تترجمون الوزير  لا بل ترجمونه
الكاتب: عماد داود

خبرني - في منتدى "تواصل"، وأمام جمهور من الإعلاميين والمختصين، قال الدكتور محمد المومني ما قاله.
قاله بوضوح أكاديمي لا يحتاج ترجمة… وقاله بثقة من يعرف أن ما يقوله صحيح.
ثم اندلع الجدل…!

توقف هنا قليلاً.

لأن الجدل نفسه — قبل أن يكون نقداً — كان تشخيصاً…!

تصريحات الوزير فجّرت عاصفة كاملة بعد حديثه عن توجه الحكومة للاستعانة بالمؤثرين وصناع المحتوى لمنحهم معلومات دقيقة لدحض الشائعات.

وفجأة… تحوّل التصريح إلى اختبار علني لعلاقة الدولة بالناس…!

صحفيون شعروا أن المهنة تُدفن حيّة…!
سياسيون رأوا في الأمر خصخصة للهيبة السيادية…!
نشطاء تعاملوا مع التصريح كأنه إعلان رسمي لتحويل الدولة إلى حساب "تيك توك" كبير…!

لكن من قرأ التصريح كاملاً — لا المقتطع والمجتزأ — يعرف أن الوزير لم يقل ما ظنه كثيرون.

قال شيئاً أبسط… وأخطر…!

المعلومة الصحيحة تحتاج قنوات متعددة للوصول.
والقناة الرسمية وحدها لم تعد تكفي في زمن صار فيه المواطن يبحث عن الحقيقة على هاتفه… لا على شاشة الدولة.

أوضح الرجل أن المقصود ليس مشاهير التفاهة والترفيه، بل كل مؤثر محترم: المذيع، الكاتب، الأكاديمي، المحلل، وصاحب الحضور العام القادر على الوصول إلى الناس.

لكن المشكلة لم تكن في التعريف.

كانت في المناخ…!

والمناخ الأردني اليوم — وهذا ما لا يقوله أحد بصوت مرتفع — مناخ مُنهَك حتى آخر أعصاب الثقة…!

يعيش على خيبات قديمة متراكمة…!
غاضب من الغلاء…
غاضب من الراتب الذي لم يتحرك منذ سنوات…
غاضب من الوعود التي تتراكم كالطبقات الجيولوجية دون أن تتحول إلى أرض صلبة تحت أقدام الناس…!

وحين يصبح المناخ بهذه الهشاشة… تتحول أي جملة إلى قنبلة سياسية.

لأن الشعوب المتعبة لا تسمع الكلمات كما تُقال… بل كما تختزنها ذاكرتها الجريحة…!

وهذا بالضبط ما كنت قد اقتربت منه في مقالي المنشور على منصة «خبرني» بتاريخ 11 يناير 2026 بعنوان:

"صوتان وأردن: أبو زيد والمومني… صهيل الهوية وهمس الحكمة!"

حين قاربت الفرق بين زمن صلاح أبو زيد الذي كان يؤسس الوعي بصوت جهوري يقول: "هنا عمّان"، وزمن محمد المومني الذي يحاول إدارة المشهد وسط فوضى المنصات، حيث لم تعد المشكلة غياب الصوت… بل فائض الضجيج…!

وربما لهذا بدا الجدل أكثر تعقيداً؛ فحتى خصوم الرجل يعرفون أنه ليس من نمط المسؤول الباحث عن الشللية أو التصفيق السهل، بل من مدرسة تميل إلى اللغة الأكاديمية أكثر مما تميل إلى صناعة الشعبوية.

لكن المفارقة القاتلة: في مناخ مكهرب، اللغة الهادئة نفسها قد تتحول إلى شرارة حرب…!

وفي هذا السياق، أستحضر مكالمة غير متوقعة من الوزير نفسه — قصيرة زمنياً، ثقيلة دلالياً.

جاءت لتثني على مقالة سابقة لي منشورة على «خبرني» بتاريخ 28 ديسمبر 2025 بعنوان:

# جعفر حسان… ترجمان الدولة الأردنية!

مكالمة عابرة… لكنها فتحت سؤالاً أكبر: كيف تُقرأ الكفاءات داخل البيروقراطية؟ وكيف يتحول المعنى إلى سوء فهم؟!

هنا تبدأ المعضلة الأردنية الأعمق.

لا نعاني من نقص العقول… بل من سوء تصنيفها…!
ولا من غياب الكفاءات… بل من عجز البيروقراطية عن رؤية ما يتجاوز الخانة الوظيفية…!

ولهذا بدت الحملة على المومني أكبر من مجرد حملة على وزير.

بدت كأنها حملة على معنى كامل يتحرك تحت السطح…!

فالرجل قال شيئاً بالغ الخطورة:

الدولة لم تعد تحتكر الوصول إلى الناس…!

وهنا ارتبكت النخب كلها.

لأن هذه الجملة وحدها تعني أن الإعلام الرسمي فقد تلك الهيبة التي كانت تجعل البيان الحكومي أشبه بآية لا تُناقش.

في زمن صلاح أبو زيد، كان الصوت الرسمي جزءاً من بناء الدولة نفسها.
أما اليوم، فالدولة تواجه ألف شاشة… وعشرة آلاف منصة… ومليون رواية…!

في زمن كهذا… لا تكفي البيانات.

لكن المأساة ليست هنا فقط.

المأساة أن الدولة تحاول تحديث أدواتها… بينما المواطن لا يزال يعيش على خيبات قديمة متراكمة…!

الناس لا تغضب من "المؤثر".
الناس تغضب لأنها لم تعد تصدق الرواية الرسمية مهما تغيّرت الواجهة…!

لو خرج أشهر مؤثر وقال إن الاقتصاد بخير… لن يصدقه من ينتهي راتبه يوم الخامس عشر…!
ولو ظهر ألف ناطق رسمي… لن يقنعوا خريجاً عاطلاً يرسل سيرته منذ خمس سنوات…!

هل جربت أن تشرح لمواطن أن التضخم عالمي — وهو ينظر إلى راتبه الذي لا يصل إلى منتصف الشهر؟!

المشكلة ليست في الأداة. المشكلة في الفجوة بين الخطاب والواقع…!

ولهذا تحولت تصريحات المومني إلى انفجار رمزي، لأنها لامست جرحاً أقدم من الوزير نفسه… وأكبر من الحكومة… وأعمق من المرحلة كلها.

الشارع الأردني اليوم ليس غاضباً فقط… بل مُجهَد.

الغاضب يصرخ…
المُجهَد ينسحب…
والميت سريرياً لا يشعر بشيء.

وذلك أخطر بكثير…!

السؤال الحقيقي ليس: لماذا استعان الوزير بالمؤثرين…؟

بل: كيف وصلت العلاقة بين الدولة ومواطنها إلى مرحلة يحتاج فيها المواطن إلى "وسيط" كي يصدق ما تقوله حكومته…؟!

أما بقية الضجيج… فمجرد أعراض.

"نبني المداميك"… ثم اكتشف الناس أين بُنيت…!
"مليون فرصة عمل"… ثم تحولت إلى نكتة…!
"الأيام الأجمل"… ثم صار انتظارها عادة وطنية مؤجلة…!

وفي وسط هذا الإرث، جاء المومني ليقول إن الدولة ستستخدم أدوات العصر… فانهالت عليه البلاد دفعة واحدة…!

لهذا أقول: المشكلة لم تكن في التصريح…
كانت في الرصيد الذي استقبله: رصيد ثقة مُستنزف…!

لأن الدول لا تنهكها الأخطاء الإعلامية وحدها… بل عجزها عن إنتاج المعنى المقنع…!

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

هل لدينا مشروع اتصال وطني حقيقي…؟
أم أننا ما زلنا نحاول إطفاء حرائق الثقة ببيانات مؤقتة…؟!

لأن الدولة التي لا تشرح نفسها… سيشرحها الآخرون.

وحينها تصبح الحقيقة نفسها مسألة تفاوض…!

لهذا لم يكن الجدل حول الوزير تفصيلاً عابراً.

كان لحظة كشف كاملة…!

كشفت أن الأزمة ليست أزمة إعلام… ولا منصات… ولا حكومة…!

بل أزمة علاقة كاملة بين الدولة والناس.

علاقة تحتاج إلى شيء أكبر من المؤثرين… وأكبر من البيانات… وأكبر من الثرثرة الرسمية كلها…!

تحتاج إلى إعادة بناء الثقة من الصفر…!

لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الدول… ليس أن يُهاجَم وزراؤها.

بل أن يصبح مواطنوها غير قادرين على تصديق أي شيء… حتى لو كان صحيحاً…!

وهنا فقط نفهم السؤال الحقيقي:

لماذا تترجمون الوزير… وترجمونه… ونُرجمه نحن أيضاً…؟!

لأن الترجمة أسهل كثيراً…
من مواجهة الحقيقة التي يخفيها الجدل كله.

ماذا تقول الدولة لمواطن لم يعد يصدقها؟

لا لأن الأداة عاجزة — بل لأن الثقة انتحرت قبل أن يُفتح الميكروفون.

مواضيع قد تعجبك