*
الاربعاء: 20 أيار 2026
  • 20 أيار 2026
  • 10:51
جيل يعرف كيف يحلم لكنه يقف طويلًا عند أبواب الفرص
الكاتب: عمر الدريني

في صباحات كثيرة، يتكرر مشهد لا يلفت الانتباه لكنه عميق الدلالة: شاب يفتح هاتفه باكرًا، يتفقد الإشعارات، ينتظر رسالة عمل، ثم يغلقه بصمت، لا جديد لكن الانتظار مستمر.
هذا الجيل هو الأكثر تعليمًا في تاريخ البلاد، والأكثر اتصالًا بالعالم، والأكثر قدرة على التعلم والتكيف. ومع ذلك، هو أيضًا الأكثر مواجهة لسؤال بسيط وثقيل: أين الفرص؟
الفجوة بين التعليم وسوق العمل
المشكلة الأساسية ليست في التعليم ذاته، بل في المسافة بين مخرجاته وسوق العمل، الجامعات تُخرج آلاف الشباب سنويًا، لكن الاقتصاد لا ينمو بنفس القدرة على استيعابهم.
هذه الفجوة لا تبقى رقمًا في التقارير، بل تتحول إلى تجربة يومية: طلبات عمل كثيرة، ردود قليلة، وفرص أقل مما كان متوقعًا.
تحول داخلي في شخصية الشاب
مع طول فترة الانتظار، لا يتغير الواقع الخارجي فقط، بل يتغير الداخل أيضًا، الطموح الذي كان واضحًا في البداية يبدأ بالتكيف مع الواقع.
لا يعود السؤال: ماذا أريد أن أكون؟
بل: ماذا يمكن أن أبدأ به الآن؟
وهكذا تتحول الخطط الكبيرة إلى خطوات صغيرة، مؤقتة، لكنها ضرورية للاستمرار.
ومع هذا التراكم من الانتظار، تظهر أشكال جديدة من التكيف لا تُكتب في الإحصاءات، يعمل كثير من الشباب في وظائف لا ترتبط بتخصصاتهم، أو في أعمال مؤقتة لا تمنحهم استقرارًا حقيقيًا، لكنها تصبح وسيلة لتقليل مساحة الفراغ، حتى لو لم تُشبع الطموح الذي بدأ به الطريق.
البطالة كحالة ممتدة وليست لحظة
البطالة ليست فراغًا زمنيًا، بل حالة ممتدة من الترقب، فيها مزيج من الانتظار، وإعادة التفكير، وأحيانًا إعادة تعريف الذات.
الأيام لا تُقاس بالإنجاز، بل بسرعة مرورها دون تغيير يُذكر، ومع مرور الوقت، لا يتأثر فقط المسار المهني للشباب، بل تتغير أيضًا علاقتهم بالزمن نفسه، فتتحول الأيام إلى محطات انتظار متشابهة، حيث لا يحدث تغيير كبير، لكن الشعور بالتقدم يتراجع تدريجيًا دون أن يُلاحظ مباشرة.
اقتصاد لا يستوعب كامل الطموح
حين لا يستطيع الاقتصاد خلق وظائف كافية، لا ينتج بطالة فقط، بل ينتج إعادة تشكيل اجتماعي غير مباشر، فئات تتقدم بسرعة، وأخرى تبقى في مساحة انتظار طويلة.
وهنا يصبح السؤال أعمق:
هل المشكلة في الأفراد، أم في قدرة النظام على استيعاب جيل كامل؟
حلم لا يموت بل يُؤجَّل
الحلم في هذا السياق لا يختفي، بل يُؤجل، لكن الحلم المؤجل لا يبقى خفيفًا، بل يتحول إلى ثقل صامت يرافق صاحبه في كل خطوة.
ورغم هذا المشهد الممتد، يبقى عنصر الاستمرار حاضرًا بشكل لافت، فالكثير من الشباب لا يتوقفون عن المحاولة، حتى وإن تغيرت وتيرة الحماس أو شكل الطموح، بين الإحباط وإعادة المحاولة، تستمر حركة خفية لا تُرى بسهولة، لكنها تُبقي فكرة المستقبل قائمة، حتى وإن كانت مؤجلة.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا على اتساعه: هل تأخر الحلم، أم تغيّر شكله؟

مواضيع قد تعجبك