خلال الأيام الماضية، تابع الشارع الأردني بمزيج من التساؤل والاستغراب موجة التعيينات الأخيرة في بعض المجالس البلدية والمحلية، حيث أثارت هذه الخطوة جملة من الاستفهامات المشروعة حول الأسس والمعايير التي تم اعتمادها لاختيار بعض الأسماء، خاصة أن الكثير من هذه التعيينات مرّ دون توضيح للسير الذاتية أو الخبرات والإنجازات التي تؤهل أصحابها لتحمل مسؤولية العمل البلدي والخدمي، وهو الأمر الذي يضعنا أمام مواجهة حقيقية مع واقع المؤسسات الخدمية وجدوى آليات التعيين فيها.
إن المواطن اليوم لا يبحث عن مجرد أسماء تُزين القوائم، بل يتطلع إلى كفاءات حقيقية قادرة على إدارة ملفات معقدة وحيوية ترتبط بتفاصيل حياته اليومية، كملفات الخدمات والتنمية والنظافة والبنية التحتية والاستثمار المحلي، فالبلديات في حقيقتها ليست مجالس للوجاهة الاجتماعية، ولا مواقع لتجريب النظريات، ولا أبواباً للمجاملات السياسية والعشائرية، بل هي مؤسسات تماس مباشر مع معاناة الناس واحتياجاتهم، وأي خلل في إدارتها ينعكس سلباً على جودة الحياة اليومية للمجتمع ككل.
لكن المؤسف والمقلق في آن واحد، هو ذلك الانطباع السائد لدى شريحة واسعة من المواطنين، والذي بات يرى في بعض هذه التعيينات "مكافآت وتنفيعات" شخصية أكثر من كونها اختيارات مبنية على مبدأ تكافؤ الفرص والخبرة والكفاءة، وهذا في الواقع يمثل أخطر المنحنيات التي يمكن أن تنزلق إليها أي مؤسسة خدمية، فحين يشعر المواطن أن الموقع العام لم يعد يُمنح للأقدر والأجدر، بل للأقرب أو الأوفر حظاً بشبكة العلاقات والنفوذ، تسقط القيمة الإنتاجية للمؤسسة وتتراجع هيبتها في عيون العامة.
هذا المشهد يفرض بقوة سؤالاً جوهرياً على وزارة الإدارة المحلية حول المعايير الحقيقية والعلنية التي اعتمدتها في هذه التعيينات، وهل تم فتح باب تقييم واضح وشفاف للأشخاص، وهل شكلت الوزارة لجانًا متخصصة ومحايدة درست الخبرات والمؤهلات والسجل العملي والقدرة على العطاء لكل مرشح، أم أن الأمر في نهاية المطاف لم يتعدَّ كونه ترشيحات واجتهادات شخصية وتوصيات غرف مغلقة بقيت بعيدة كل البعد عن نبض الشارع الأردني واحتياجات المرحلة الحالية الحسمة؟
إن الأردنيين لا ينطلقون في نقد هذه التعيينات من موقف شخصي تجاه أي اسم من الأسماء، بل هم يرفضون من حيث المبدأ أن تبقى عقلية الترضيات والتنفيعات حاضرة في مؤسسات وجدت أساساً لخدمتهم والتخفيف من معاناتهم، فالمواطن الذي يواجه يومياً شوارع متهالكة مليئة بالحفر، وتراجعاً مستمراً في مستوى الخدمات، وضعفاً في المشاريع التنموية، بالتزامن مع ارتفاع قياسي في مديونية البلديات، يريد مسؤولاً ميدانياً يملك رؤية واضحة وحلولاً عملية مبتكرة، لا مجرد اسم إضافي يُسجل في قائمة التعيينات ويتقاضى الامتيازات دون أثر ملموس على الأرض.
إن المرحلة الراهنة وما تحمله من تحديات اقتصادية وإدارية خانقة تعيشها البلديات، تتطلب ضخ دماء جديدة تمتلك الخبرة الميدانية والنزاهة المطلقة والقدرة على اتخاذ القرار الجريء والعمل تحت الضغوطات، وأي اختيار غير موفق أو مبني على أسس واهية سيدفع ثمنه المواطن أولاً وأخيراً من وقته وماله وكرامته الخدمية، فالأوطان لا تُبنى بإنعاش الحظوظ الشخصية، بل بإسناد الأمر إلى أهله من أصحاب الكفاءة والمعرفة.
وفي نهاية المطاف، يجب أن ندرك جميعاً أن ثقة الشارع بالمؤسسات تُبنى فقط من خلال العدالة والشفافية المطلقة، والدولة القوية الواثقة من خطواتها لا تخشى أبداً إعلان أسباب الاختيار ومعايير التعيين أمام العلن، أما إبقاء الأمور في دائرة الضبابية والكتمان فإنه لن يؤدي إلا إلى فتح الباب واسعاً أمام الشائعات والاحتقان وفقدان الثقة، وترسيخ قناعة الشارع بأن بعض المواقع الحيوية ما زالت تُدار بعقلية المكافآت لا بعقلية الإنجاز، ليبقى السؤال الأهم الذي ينتظر إجابة عملية على أرض الواقع: هل المطلوب مجالس بلدية تُرضي الأشخاص والمحسوبيات، أم مجالس بلدية تعمل بإخلاص لأجل الوطن والمواطن؟



