*
الاحد: 10 أيار 2026
  • 10 أيار 2026
  • 10:47
الدمج التربوي في المدارس الأردنية عندما يصبح الحق تجربة مؤلمة
الكاتب: حنان عمرو

كم كانت الفرحة غامرة حين صدر القرار بإلزام المدارس باستقبال الأطفال من ذوي الإعاقة، وإغلاق المراكز الإيوائية التي طالما عزلتهم عن أقرانهم. بدا المشهد حينها وكأنه انتصار حقيقي للعدالة التعليمية، وخطوة طال انتظارها نحو إنصاف هذه الفئة، وإعادة إدماجها في نسيج المجتمع

لكن هذه الفرحة، التي امتلأت بها قلوب الأهالي، لم تلبث أن اصطدمت بواقع مختلف؛ واقعٍ لا يشبه الوعود، ولا يوازي حجم الأمل الذي عُلّق على هذا التحول. فبينما فُتحت أبواب المدارس على مصراعيها، بقيت أبواب أخرى مؤصدة داخل الصفوف نفسها أبواب الفهم، والتكييف، والاحتواء الحقيقي

في الأردن، لا يعيش الأهالي الدمج التربوي كنص قانوني أو بندٍ في سياسة تعليمية، بل كتجربة يومية تُختبر في تفاصيل صغيرة: في نظرة معلم، في صمت طفل، في واجبٍ لم يُفهم، أو في سؤالٍ يعود به الطفل إلى البيت دون إجابة

تبدأ الحكاية غالبًا بحماس. أمٌّ تُجهّز طفلها ليومه الأول، تُخفي قلقها خلف ابتسامة، وتُقنع نفسها بأن القادم أفضل. لكن بعد أيام قليلة، لا تعود الأسئلة خارجية، بل تبدأ من داخلها هي...

تجلس مع طفلها، تراقبه، وتحاول أن تفكّك يومًا كاملًا لا يُحكى: ماذا يتعلم ابني فعلًا طوال هذا اليوم؟ كيف يقضي ساعاته داخل الصف؟ هل يفهم؟ هل يُشرح له؟ أم أنه فقط… موجود؟

ومع كل محاولة للفهم، لا تأتي الإجابات من الطفل، بل من المدرسة— لكنها ليست كما توقعت.

لا حديث عن تقدّم، لا إشارة إلى مهارة اكتسبها، ولا حتى محاولة لطمأنتها، فقط شكاوى. شكاوى متكررة، تدور في فلك واحد: ضعف، عدم تركيز، عدم مجاراة الأقران ...وكأن المدرسة فوجئت باختلاف الطفل، لا بأنها استقبلته على هذا الأساس

ثم تبدأ الطلبات تتوالى: تقارير، تشخيصات، متابعات، جلسات خارجية... وكأن دور المدرسة لم يعد تعليم الطفل، بل توثيق ما لا يستطيع فعله

تدريجيًا، تشعر الأم أن ابنها لا يُرى كطالب يتعلم، بل كملف يحتاج إلى استكمال أوراق، تذهب إلى المدرسة، لا لتسأل عن إنجازه، بل لتسمع ما الجديد في قائمة الملاحظات، وهنا يتغيّر السؤال في داخلها... لم يعد: كيف أساعد ابني ليتعلم؟ بل أصبح: هل يتعلم أصلًا… أم أننا فقط ندير مشكلة؟

هذا السؤال لا يخص أمًا واحدة، بل يكشف فجوة عميقة بين الدمج كما يُفترض أن يكون، وكما يُمارس فعليًا. فالطفل، في كثير من الحالات، لا يُقصى جسديًا عن الصف، لكنه يُترك خارج عملية التعلم. يجلس، يستمع، يحاول… ثم يتراجع بصمت، دون أن يلاحظه أحد

المشكلة لا تكمن في فكرة الدمج بحد ذاتها، بل في طريقة تطبيقها. فالمعلم، مهما كانت نيته صادقة، يجد نفسه أمام صف مزدحم، ومنهج مكثف، وطفل يحتاج إلى وقت، وأدوات، واستراتيجيات مختلفة. ومع غياب التدريب الكافي والدعم المتخصص، يتحول الدمج من فرصة إلى عبء—لا على المعلم فقط، بل على الطفل أولًا، وعلى أسرته التي تحاول ترميم ما يتصدع كل يوم

الأهالي لا يرفضون الدمج، بل يتمسكون به بوصفه حقًا أصيلًا لأطفالهم. لكنهم يرفضون أن يكون شكليًا، أو أن يُختزل في مجرد وجود جسدي داخل الصف. يرفضون أن يُعامل أطفالهم كأرقام ضمن سياسة، أو كحالات يجب "استيعابها" دون فهم حقيقي لاحتياجاتها. ما يطالبون به ليس استثناءً… بل جوهر العملية التعليمية نفسها: أن يتعلم الطفل بطريقة تناسبه، وأن يُفهم قبل أن يُقيَّم، وأن يشعر بأنه جزء من الصف… لا مجرد حاضرٍ فيه

فالدمج الحقيقي لا يتحقق بفتح أبواب المدارس، بل بفتح أبواب التعلم ذاته وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى السؤال معلقًا_ ليس في أروقة المدارس، بل في قلوب الأمهات: هل أنصفنا أطفالنا حقًا، أم أننا غيّرنا المكان فقط، وتركنا التجربة كما هي؟

مواضيع قد تعجبك