في كل مرة تتصاعد فيها التحديات الإقليمية أو تتزايد الضغوط الاقتصادية العالمية، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل سيصمد الدينار الأردني؟ غير أن الإجابة الحقيقية لا تُستمد من المخاوف الآنية أو التقديرات الظرفية، بل من قراءة موضوعية للتاريخ الاقتصادي، وهو تاريخ يُظهر بوضوح أن هذه العملة لم تُختبر في الأوقات السهلة، بل في أشد اللحظات قسوة، وخرجت منها أكثر صلابة.
لقد مرّ الاقتصاد الأردني بمحطات مفصلية كان من شأنها أن تُربك عملات أكثر قوة. ففي نهاية الثمانينيات، واجه الأردن أزمة حادة فقد خلالها الدينار أكثر من نصف قيمته، في ظل دين خارجي تجاوز 200% من الناتج المحلي، وعجز مالي فاق 20%، وانكماش اقتصادي عميق. ولم تمضِ سوى أشهر حتى جاءت حرب الخليج لتضيف صدمة مركبة، تمثلت في عودة مئات الآلاف من الأردنيين، وتراجع التحويلات، وارتفاع كلفة الطاقة، وضغوط غير مسبوقة على الاحتياطيات. ورغم هشاشة البيئة الاقتصادية آنذاك، تمكن الدينار من الحفاظ على استقراره النسبي، في إنجاز يُحسب لسياسة نقدية كانت لا تزال في طور إعادة بناء الثقة.
ثم جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي أطاحت بمؤسسات مالية كبرى وأدخلت الاقتصاد العالمي في حالة انكماش حاد. ورغم أن الأردن لم يكن في مركز العاصفة، إلا أنه تأثر بتراجع الاستثمارات وانخفاض السيولة العالمية، حيث هبط النمو من 7.2% إلى 2.3% خلال عام واحد، وتراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي بأكثر من النصف. ومع ذلك، بقي الدينار مستقراً، في وقت تعرضت فيه عملات عديدة لضغوط حادة.
ولم يكن الربيع العربي أقل وطأة، إذ واجه الاقتصاد الأردني خلال تلك الفترة صدمة مركبة جمعت بين انقطاع إمدادات الطاقة، وارتفاع فاتورتها إلى نحو 20% من الناتج، وتدفق أكثر من 1.3 مليون لاجئ، إلى جانب تباطؤ النمو واتساع العجز وارتفاع الدين العام إلى أكثر من 90% من الناتج. ومع ذلك، استمر استقرار سعر الصرف دون اهتزازات تُذكر، مدعوماً باحتياطيات تراوحت بين 10 و15 مليار دولار، وسياسة نقدية حذرة حافظت على التوازن.
أما جائحة كورونا، فقد شكلت اختباراً من نوع مختلف، إذ لم تكن أزمة مالية تقليدية، بل توقفاً شبه كامل للنشاط الاقتصادي العالمي. انكمش الاقتصاد الأردني بنحو 1.6%، وتراجعت إيرادات السياحة بأكثر من 70%، وارتفع العجز والدين العام والبطالة إلى مستويات لافتة. ومع ذلك، حافظ الدينار على استقراره، مدعوماً باحتياطيات تراوحت بين 16 و18 مليار دولار، غطت ما يصل إلى عشرة أشهر من المستوردات، وبإدارة نقدية مرنة دعمت الاقتصاد دون المساس بثقة السوق.
وإذا ما انتقلنا من قراءة التاريخ إلى تحليل سلوك السوق الحالي، تبرز دلالة مهمة تعكس عمق الثقة بالدينار الأردني، تتمثل في انخفاض نسبة الدولرة إلى نحو 18% فقط، وهي نسبة تضع الأردن ضمن الاقتصادات المستقرة نقدياً، وأقل بكثير من دول شهدت ضغوطاً على عملاتها مثل تركيا ولبنان، بل وحتى قريبة من اقتصادات مستقرة في المنطقة. وتعني هذه النسبة أن غالبية المدخرات داخل الجهاز المصرفي لا تزال مقومة بالدينار، وهو ما يعكس ثقة متجذرة في العملة الوطنية، ويؤكد أن استقرار الدينار لم يعد مجرد نتيجة لسياسات نقدية، بل أصبح سلوكاً اقتصادياً راسخاً لدى الأفراد والمؤسسات.
ولا تكتسب هذه المؤشرات أهميتها من الرقم بحد ذاته، بل من دلالتها في لحظة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، حيث تميل الأسواق عادةً إلى التحوّط بالعملات الأجنبية. ومع ذلك، يواصل الدينار الأردني الحفاظ على موقعه كمخزن للقيمة، وهو ما يعكس نجاح السياسة النقدية في إدارة التوقعات، وتعزيز الثقة، والحد من ظواهر الإحلال النقدي التي غالباً ما ترافق الأزمات.
ما يميز اللحظة الراهنة ليس فقط أن الدينار صمد في الماضي، بل أن الاقتصاد الأردني اليوم أكثر مناعة مما كان عليه في أي مرحلة سابقة. فالاحتياطيات الأجنبية أصبحت عند مستويات تتجاوز 28 مليار دولار، وتغطي ما بين عشرة إلى احد عشر شهراً من المستوردات، والسياسة النقدية باتت أكثر تطوراً ومرونة، فيما أصبح القطاع المصرفي أكثر صلابة وخضوعاً للرقابة، والأهم من ذلك أن الثقة بالدينار تحولت إلى سلوك مستقر في السوق، وليس مجرد استجابة ظرفية للأزمات.
وعلى الرغم من استمرار التحديات المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة والضغوط الاقتصادية العالمية، فإن هذه التحديات تبدو أقل حدة وأقل تعقيداً مقارنة بما واجهه الأردن في محطات سابقة، سواء من حيث حجم الصدمات المباشرة أو عمق الاختلالات المالية أو درجة عدم اليقين. وهذا ما يجعل التعامل معها أقرب إلى إدارة مخاطر منه إلى مواجهة أزمات وجودية.
إن صمود الدينار الأردني لم يكن يوماً محصلة ظرفية أو نتيجة عامل واحد، بل هو نتاج منظومة متكاملة ترتكز على سياسة نقدية حذرة وموثوقة يقودها البنك المركزي الأردني، تقوم على ربط العملة بالدولار كمرساة للاستقرار، وإدارة فعالة للاحتياطيات، والحفاظ على الثقة محلياً ودولياً. كما يستند هذا الاستقرار إلى احتياطيات أجنبية مريحة تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الصدمات الخارجية، وإلى إدارة حصيفة للتوقعات، حيث نجح الأردن في تثبيت سلوك السوق، والحد من المضاربات، وتعزيز مكانة الدينار كمخزن للقيمة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة قوة الدينار الأردني بمعزل عن هذا التراكم المؤسسي والسياسي. فهذه العملة لم تصمد بالحظ، بل عبر مسار طويل من الانضباط والثقة وبناء القدرة على إدارة الأزمات. ومن هنا تتجلى حقيقة أساسية مفادها أن الدينار الأردني قد اجتاز اختبارات أصعب بكثير، وخرج منها أكثر قوة.



