المغطس 2030 نموذجًا لتوظيف الثروة الرمزية، وصناعة السردية الوطنية الجامعة.
د موفق الزيادات /
تتزايد أهمية توظيف الثروة الرمزية بوصفها أحد أشكال الاقتصاد المعرفي العالمي، في وقت تتراجع فيه كفاءة الاعتماد على الموارد غير المتجددة وحدها. وفي هذا السياق يبرز مفهوم "اقتصاد الوعي الروحي" باعتباره إطارًا جديدًا لاستثمار الرصيد الثقافي والموروث الديني في خدمة التنمية المجتمعية وتعزيز الحضور الوطني للدول.
ويُعرّف اقتصاد الوعي الروحي بأنه نموذج حضاري لإدارة الثروة غير المادية للأمم، يقوم على منظومة استراتيجية تستثمر الرأسمال الرمزي والروحي وتحول المخزون الثقافي والديني من إرث كامن إلى قيمة منتجة. وهو لا يتعامل مع الرموز والمقدسات بوصفها عناصر للذاكرة الجمعية فحسب، بل باعتبارها موارد استراتيجية قادرة على إنتاج المعنى، وتعزيز الثقة والانتماء، وخلق فرص للتنمية الثقافية والاقتصادية. ومن خلال هذا النموذج يصبح الوعي الجمعي مجالًا للاستثمار الحضاري، وتغدو الهوية والسردية الوطنية والتنوع الثقافي عناصر فاعلة في بناء المكانة الدولية وتحقيق التنمية المستدامة.
وانطلاقًا من ذلك، يمتلك كل رمز ديني قدرة على إنتاج المعنى، وكل معنى قابل للتحول إلى قيمة اقتصادية وحضارية عندما يُعاد توظيفه ضمن منظومة متكاملة من المعرفة والثقافة والسياحة والاستثمار. وهكذا تصبح الأماكن المقدسة والموروثات الروحية محركات للتنمية، ومجالات لتوليد فرص العمل والابتكار الثقافي، ومصادر لتعزيز الحضور الوطني في اقتصاد عالمي قائم على الأفكار والهوية والخصوصية الحضارية.
كما يُعاد اكتشاف الرموز الدينية بوصفها أصولًا حضارية منتجة للقيمة وليست مجرد شواهد تاريخية. فالمواقع المقدسة والروايات الروحية والذاكرة الدينية المتراكمة عبر القرون تمثل ثروة رمزية قادرة على توليد عوائد اقتصادية وثقافية مستدامة من خلال السياحة الدينية والصناعات الإبداعية والمنتجات المعرفية وبرامج الحوار الحضاري. وبهذا يتحول الإرث الديني من مورد محفوظ في الذاكرة إلى رأسمال حضاري فاعل يعزز الاقتصاد الثقافي ويمنح الدولة مكانة متميزة في سوق المعنى العالمي.
ويعتمد اقتصاد الوعي الروحي كذلك على إنتاج سردية وطنية جامعة تستوعب مختلف مكونات المجتمع ضمن منظومة قيم مشتركة، بما يعزز الانتماء والاستقرار الاجتماعي والثقة بين المواطن والدولة، ويسهم في بناء نموذج حضاري قادر على التفاعل الإيجابي مع العالم.
كما يركز على توظيف الثقافة العامة والموروث الديني كأداة دبلوماسية؛ فالمواقع الدينية والاحتفالات التراثية والمؤسسات الثقافية والخطاب الديني الموزون تمثل جسورًا للتواصل بين الشعوب وتعزيز التفاهم الدولي وبناء شراكات قائمة على الاحترام المتبادل والقيم الإنسانية المشتركة.
ولا يسعى هذا النموذج إلى تسييس الدين، بل إلى استثمار البعد الروحي والثقافي للمجتمعات بوصفه موردًا استراتيجيًا للتنمية وبناء السلام وتعزيز المكانة الدولية. فهو يمثل تحولًا في فهم مصادر الثروة الوطنية، حيث تنتقل القيمة من حدود الموارد المادية إلى فضاءات المعنى والذاكرة والهوية.
ومع اقتراب مبادرة «المغطس 2030»، تبرز فرصة تاريخية لإعادة توظيف الرأسمال الروحي في صناعة المستقبل وتحويل الجغرافيا المقدسة إلى منصة للإبداع الثقافي والحوار الإنساني والتنمية المستدامة، بما يؤكد أن الاستثمار في الإنسان ووعيه وهويته هو الاستثمار الأكثر استدامة، وأن الأمم العظيمة تُقاس بقدرتها على تحويل إرثها الحضاري إلى مصدر للسلام والمعرفة والازدهار.



