*
الاربعاء: 22 نيسان 2026
  • 21 نيسان 2026
  • 23:22
إدارات الضمان  وقرارات  الحكومات
الكاتب: عوض ضيف الله الملاحمة

أتحسس ، وأتلمس ، وأتفحص أوجاع وطني الأردن الحبيب ، وأكتب عنها ، مُشخِّصاً الداء ، وواصفاً الدواء ، قدر إمكانياتي ، وقدراتي ، وخبراتي  . كما أبحث عن أماكن التميز في الأداء وأُشيد فيها  شاكراً ، ومفتخراً بالإنجاز . 

أكتب عن وطني لا لغاية شخصية ، ولا لمصلحة ذاتية . ولا يتدخل أحداً بما يخط قلمي ، ولا أقبل توجيهاً ، ولا أتقبل تلميحاً مطلقاً ، حيث كل ما يخطه قلمي المتواضع ( نخطاً من رأسي ) . لديّ باروميتر خاص ، حساس ، ملتزم بقيمي ، وأخلاقي ، وديني ، وثوابتي الراسخة ، وإنتمائي الصادق غير المصلحي ، وهو الذي أقتدي به ، وأسير على هُداه .

منذ شهور  ، ووسائل التواصل الإجتماعي تعج بالبوستات ، والمقالات ، والتعليقات تشنيعاً ، وقدحاً ، وذماً ، وتشويهاً ، وإنتقاصاً ، وإنتقاداً من حصافة وكفاءة من تولوا إدارت الضمان الإجتماعي كمدراء عامين . وقالوا في وصفهم فرادى وجماعات بإفصاحات ، وتلميحات ما عجز عنه مالك في وصف الخمر . 

أقولها بوضوح ، وصراحة ، علماً انه لم تربطني اية علاقة او معرفة شخصية بأي من المدراء العامين لمؤسسة الضمان الإجتماعي مطلقاً . أقول ان جميع المدراء العامون لمؤسسة الضمان الإجتماعي منذ تأسيسها في بداية ثمانينيات القرن الماضي ، بأنهم جميعهم ( أكفاء ) ومتميزين في قدراتهم الإدارية والعلمية ولم تشُب غالبيتهم أية شائبة مطلقاً . وقد أداروا المؤسسة بحصافة ، وحضارية ، وتميز منقطع النظير ، مقارنة بمؤسسات الوطن الأخرى . 

ونتيجة لذلك كانت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ، مؤسسة ناجحة ، بل رائدة ، ومتميزة ، ومتطورة في أدائها . والدليل على ذلك ما يلي :— 
١ )) أنها كانت تؤدي  التزاماتها تجاه المتقاعدين وغيرهم من المتعاملين معها في وقتها تماماً  .
٢ )) والدليل الآخر ان موجودات مؤسسة الضمان الإجتماعي حتى نهاية عام ٢٠٢٥ تقدر بحوالي ( ١٨,٦ ) مليار دينار . 
٣ )) ان المؤسسة كان لديها سيولة نقدية كبيرة تزيد عن ( ١٠,٦ ) مليار دينار . 

مشكلة مؤسسة الضمان الإجتماعي تنحصر في إقتراض الحكومات من  مؤسسة الضمان الإجتماعي خلال ال ( ٦ ) أعوام الماضية ، وتحديداً منذ بدء جائحة كورونا . وتمثل ذلك 
في إقتراض مبلغ ضخم ، إستنزف تقريباً كامل السيولة النقدية المتوافرة لدى مؤسسة الضمان الإجتماعي ، حيث وصل إجمالي المبلغ المُقترَض الى  ( ١٠,٦ ) مليار دينار . ومما زاد الطين بِلّةً انه لم يوضع جدولاً للسداد . 

يامن تُشغِلون وسائل التواصل الإجتماعي ، هل من المنطق والعقل ان تنهشوا بمؤسسة الضمان الإجتماعي وتجرِّحوا بمدرائها العامون وهم الذين بجهودهم وصلت نجاحات المؤسسة لأن يكون لديها موجودات بحدود ( ١٨,٦ ) مليار دينار ، كما كان لديها سيولة نقدية تزيد عن ( ١٠,٦ ) مليار دينار ؟ 

إرتبك أداء مؤسسة الضمان الإجتماعي منذ إستنزاف سيولتها ، دون الإستناد الى جدول لسداد تلك المديونية الحكومية . ولولا ذلك  لاستمرت مؤسسة الضمان في إزدهارها ،  وتطورها ،  ونمائها ، ولكانت مدخرات الأردنيين في أمانٍ تام . 

وينتقدون أداء مؤسسة الضمان الإجتماعي لأن بضع عشرات من الأشخاص يتقاضون رواتب عالية او  خيالية . 

يا سادة يا كرام ، الذين يتقاضون رواتب عاليه من الضمان  ، لم يسرقوها ، بل حصلوا عليها إستناداً لقانون الضمان الإجتماعي السابق . وهم بالأصل كانوا يتقاضون رواتب عالية في وظائفهم  ، وما العيب في ذلك ؟ أليس طبيعياً ان من كان يُشغل منصباً مرموقاً في أحد البنوك الرائدة الكبرى ، مثلاً ، وراتبه الشهري يزيد عن  ( ٢٥,٠٠٠ ) او ( ٣٠,٠٠٠ ) دينار ان يتقاضى راتباً تقاعدياً يصل الى ( ١٠,٠٠٠ ) دينار ويزيد !؟ من الطبيعي ان يحصل من كانوا يتقاضون رواتب عالية على رواتب تقاعدية عالية . وللعلم ، ان من حصل على راتب تقاعدي عالي وبالآلاف ، خضع لنفس ( الحِسبة ) التقاعدية لأصحاب الرواتب التقاعدية المتواضعة . وإلا حسد يعني ؟ أنا أُبارك لهم ، وصحة على قلوبهم ، ما دام الأمر قانونياً . 

وتمت معالجة الأمر قبل سنوات عندما تم تحديد سقف أعلى للراتب ( الخاضع ) للضمان ، كما تم تحديد ( سقف أعلى ) للراتب التقاعدي . 

مشكلة مؤسسة الضمان الإجتماعي ، لم تكن في إداراته أبداً . لأنها كانت إدارات كفؤة وناجحة . كما ان مشكلة الضمان لم تكن في بضع عشرات من الأشخاص يتقاضون رواتب تقاعدية عالية ابداً .

بكل صراحة ، ووضوح ، مشكلة مؤسسة الضمان الإجتماعي ، تنحصر تحديداً في سببين ، لا ثالث لهما ، وهما :—
١ )) السبب الأول : — إقتراض الحكومات المتعاقبة السابقة لمبلغ  ( ١٠,٦ ) مليار دينار  ، وهذا مبلغ كبير جداً ، ولو حصل ذلك في أية مؤسسة أخرى لأنهارت تماماً . 
٢ )) والسبب الثاني :— ضغط الحكومات الأردنية على إدارات مؤسسة الضمان الإجتماعي للمساهمة في مشاريع معروف مسبقاً أنها فاشلة قبل تأسيسها ، لأنها تمت بأسلوب الفزعات ، وغالبيتها أُنشأت دون إعداد دراسات جدوى إقتصادية أصلاً . 

ولنسأل سؤالا بطريقة أخرى : لو لم تقترض الحكومات السابقة  مبلغ ال ( ١٠,٦ ) مليار دينار ، هل كانت مؤسسة الضمان الإجتماعي تعاني مما تعانيه الآن ؟ أُجيب وأقول : طبعاً لا . 

كانت مؤسسة الضمان الإجتماعي ، مؤسسة ناجحة ، ورائدة ، وتتبع نهجاً علمياً في إدارة شؤونها ، وكانت تُعِدّ الدراسات الإكتوارية بقدرات كادرها ، (( مثل الدكتور / محمد الطراونة ، الذي يُعد خبيراً دولياً مرموق المستوى  )) ، إضافة الى إستعانتها بجهات خارجية متخصصة ، مشهود لها بالكفاءة ، حتى فقدت سيولتها النقدية ، فحصل الإرتباك . ولعدم وجود جدول زمني لتسديد هذا المبلغ الضخم ، بل ولإنتفاء نية السداد لدى الحكومات ، دخلت مؤسسة الضمان الإجتماعي نفقاً مُظلماً لن تخرج منه ، ولن تعود لوضعها السابق مهما تذاكى المتذاكون للتعويض عن السداد بإجراءات قاسية غيّرت الحِسبة التقاعدية ، وأصبحت مُجحفة بحق المشتركين . وأعتقد ان أول إنخفاض ملحوظ ستشهده المؤسسة بعد تعديل قانونها ، سيكون في إنخفاض الإقبال على الإشتراك الإختياري . 

ما تعانية مؤسسة الضمان الإجتماعي ليس من صُنعها ، وليس من أخطاء تراكمية من إداراتها ، مُطلقاً . المشكلة أتت من خارج المؤسسة ، وفُرضت عليها ، عندما إستُنزِفت سيولتها النقدية الضخمة . 

ما حَلّ بمؤسسة الضمان الإجتماعي ينطبق عليه المثل الشعبي الذي يقول : (( أَم التوم ، أصبحت لَجَبِهْ )) . ولجماعة الكورنفليكس نوضح المقصود بإيجازٍ شديد : يعني وضع مؤسسة الضمان يشبه الشاة ( النعجة ) التي ولدت توأماً من الخِراف في الليل ، ولسبب لا علاقة للأُم ( النعجة ) به أصبح عليها الصباح وقد فقدت توأمها . وهذا ما حدث لمؤسسة الضمان الإجتماعي ، حيث أمست مؤسسة ناجحة ، ولديها سيولة نقدية تساوي تماماً موازنة الوطن بأكمله . فأصبح الصباح عليها وقد خسرت سمعة إداراتها الناجحة ، كما خسرت سيولتها الضخمة ، التي تعادل موازنة الوطن بأكمله . 

آااااااخ يا زمان الشقلبة ، رحم الله ممثلنا القدير ، الذي كان مِنّا ، ويشبهنا الأستاذ / نبيل المشيني ، ويا عمااااار على مسلسل ( حارة ابو عواد ) .

مواضيع قد تعجبك