تم زرع بذرة النقل السككي في الأردن بالأمس… لكن البذور لا تنمو وحدها، فهل سنرويها لتكبر في الغد؟
وقع الأردن والإمارات، اليوم الأربعاء، اتفاقيات للبدء بتنفيذ مشروع سكة حديد ميناء العقبة، أحد أضخم مشاريع النقل في الأردن منذ 25 عاماً، وذلك باستثمار أردني–إماراتي مشترك، في خطوة استراتيجية تعكس مستوى الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
ويهدف المشروع إلى تعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية، من خلال ربط مناجم الفوسفات والبوتاس بالميناء الصناعي في ميناء العقبة، بما يسهم في تسهيل حركة البضائع وخفض كلف النقل وزيادة كفاءة سلاسل التوريد.
لكن قراءة هذا المشروع كخط سككي فقط، هي قراءة ناقصة. فالمشاريع الكبرى في النقل لا تُقاس بطولها بالكيلومترات، بل بقدرتها على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية. والسؤال الحقيقي هنا ليس: كيف ننقل البضائع إلى العقبة؟ بل: أين يجب أن تستقر الأنشطة الاقتصادية بعد وصولها؟
في التخطيط الحضري، لا يُنظر إلى الميناء كمنشأة، بل كمحرّك لإعادة توزيع التنمية. وإذا بقيت العقبة نقطة النهاية لكل شيء، فإننا نُعيد إنتاج الاختناق ذاته بشكل أكثر كفاءة، لا أكثر.
ويزداد هذا التحدي وضوحًا في الحالة الأردنية، حيث لا تسمح الجغرافيا للعقبة بأن تتحول إلى مركز تخزين مفتوح. فهي محاطة بسلاسل جبلية وعرة، ويقيدها شريط ساحلي لا يتجاوز 27 كيلومترًا، تتزاحم عليه الاستخدامات المينائية والسياحية والخدمية. وبالتالي، فإن التفكير بتوسيع وظائفها داخل حدودها هو تفكير يصطدم بالواقع قبل أن ينجح على الورق.من هنا، يصبح الميناء البري ليس خيارًا لوجستيًا، بل ضرورة تخطيطية.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع ميناء معان البري كأحد أكثر المشاريع انسجامًا مع هذه الرؤية. فالموقع المخصص له، والملاصق لمدينة مدينة معان الصناعية، يشكل نقطة التقاء بين الصناعة والنقل، ضمن رؤية عملنا عليها منذ تصميم المدينة عام 1998 من خلال الجمعية العلمية الملكية.
هذه المدينة، المهيأة لاستقطاب الصناعات الثقيلة والبتروكيماوية، وبما توفره من أراضٍ مخدومة تقدر بحوالي ألفي دونم، لا تحتاج إلى طريق يصلها بالميناء فقط، بل إلى سكة تدخل إليها. وهنا تتحول المعادلة من نقل البضائع إلى إعادة تعريف الإنتاج.
ففي النماذج الصناعية المتقدمة، لا تتوقف السكة عند حدود الميناء، بل تمتد إلى داخل المصانع. وعندما يحدث ذلك، لا تنخفض كلف النقل فحسب، بل تتغير بنية الكلفة الصناعية بالكامل، وتصبح اللوجستيات جزءًا من العملية الإنتاجية.
وقد ساهمنا بإعداد التصاميم الأولية لميناء معان البري عام 2017 لصالح شركة تطوير العقبة، إلا أن غياب سكة حديد حديثة آنذاك حدّ من جدواه، في ظل الاعتماد على سكة حديد العقبة ذات العرض الضيق (1.1 متر).
أما اليوم، ومع إنشاء شركة السكك الحديدية الإماراتية الأردنية، فإن هذه المعادلة تتغير. فالبنية التحتية التي كانت مفقودة أصبحت قيد التنفيذ، ما يعيد إحياء المشروع كعنصر مركزي في المنظومة.
ولا تقتصر إيجابيات الميناء البري على الجانب المكاني، بل تمتد إلى كونه نظامًا متكاملًا لإدارة حركة البضائع. فهو يعمل كمحطة مؤقتة لتنظيم تدفقها بدلًا من تكدسها، مع ربطها بشبكة الطرق الوطنية والدولية، وبالسكك الحديدية ضمن منظومة نقل متعددة الوسائط، وقابل للتنفيذ على مراحل وفق تطور الطلب ضمن مخطط شمولي مرن.
ويسهم الميناء في نقل جزء متزايد من أعباء منظومة الموانئ في العقبة إلى الداخل، وصولًا إلى إمكانية إنجاز عمليات التخليص الجمركي في معان بدلًا من العقبة، من خلال مركز جمركي متكامل يتمتع بصلاحيات موسعة. كما يعزز الربط الإلكتروني مع الموانئ، عبر أنظمة حديثة على غرار “النافذة الوطنية”، من كفاءة العمليات ويقلل الزمن والتكاليف.
ويعمل الميناء أيضًا كمحطة محورية لإعادة توزيع البضائع نحو المراكز الحدودية مع الدول المجاورة، مثل العمري والكرامة وجابر والدرة، إضافة إلى الجسور مع الضفة الغربية، وكذلك المناطق التنموية والصناعية داخل المملكة، بما يعزز دور الأردن كممر لوجستي إقليمي.
ومن بين الأفكار التشغيلية المتقدمة، نقل البضائع من العقبة إلى معان بموجب “مانيفست حمولة” دون إجراء الكشف الجمركي في العقبة، بحيث يتم تسليمها في الميناء البري باعتباره نقطة الاستلام الأولى، مدعومًا بأنظمة إدارة متقدمة وتنسيق مع وكلاء الملاحة. وهنا يجب أن يتغير التفكير من مشروع إلى شبكة، ومن مرفق إلى نظام.
وفي هذا الإطار، يبرز البعد الأهم: دور منطقة معان التنموية كمركز نمو، يرتبط وظيفيًا مع كل من العقبة والماضونة، ليشكّل مثلثًا لوجستيًا يعيد توزيع الأنشطة الاقتصادية داخل المملكة.
هذا المثلث اللوجستي لا يعمل بمعزل عن غيره، بل يتكامل مع مثلث سياحي يربط بين العقبة ووادي رم والبترا. وهنا ننتقل من التفكير بالمشاريع إلى التفكير بالأنظمة، حيث تتشكل مصفوفة من المثلثات الوظيفية التي تنمو وتتوسع لتتحول إلى عناقيد مترابطة (Clusters)، يعزز كل منها الآخر.
ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود اللوجستيات والاقتصاد، بل يمتد إلى البنية السكانية وتوزيعها على مستوى المملكة. فتعزيز دور معان كمركز نمو من شأنه أن يسهم في تخفيف الضغط عن العاصمة عمّان، حيث يمكن أن ترتفع حصة محافظة معان من نحو 2% من إجمالي السكان إلى ما يقارب 5% وربما أكثر، بالتوازي مع نمو العقبة لتصل إلى حدود 10% من السكان.
ولا سيما أن المنطقة قد جرى فيها الاستثمار خلال السنوات الماضية في بناء قاعدة تنموية متكاملة، من خلال إنشاء جامعة الحسين بن طلال، إلى جانب مشاريع كبرى لاستغلال الطاقة الشمسية، مستفيدة من موقع معان ضمن أحد أعلى الأحزمة الشمسية سطوعًا في العالم، فضلًا عن غناها بالمياه الجوفية لوقوعها ضمن حوض الديسي.
وهذا التحول لا يُقرأ كأرقام سكانية فقط، بل كمؤشر على نجاح سياسات إعادة توزيع التنمية، وتعزيز مبدأ التنمية المتوازنة الذي لطالما سعت إليه الحكومات الأردنية، دون أن تتوفر له الأدوات الفاعلة كما هو الحال اليوم.
لقد تم التوقيع، والشركاء جادّون في المضي نحو الإغلاق المالي واستكمال التصاميم. لكن التحدي الحقيقي لم يعد في التنفيذ، بل في توسيع الرؤية.
فإذا أردنا لهذا القطار أن يحمل أكثر من الفوسفات والبوتاس، فعلينا أن نمد له مسارات تصل إلى المدن الصناعية، والمراكز الحضرية، والمعابر الحدودية. عندها فقط، لا نكون قد أنشأنا سكة حديد… بل أعدنا رسم الخريطة الاقتصادية للأردن.



