*
السبت: 04 نيسان 2026
  • 04 نيسان 2026
  • 00:58
الجانب المشرق من تهافت بعض الأردنيين من القلق إلى مشروع وطني
الكاتب: الدكتور محمد عبدالقادر

في خضم الأزمات الإقليمية والتقلبات الاقتصادية العالمية، وعلى الرغم من البيانات الرسمية المتكررة عن وجود مخزون غذائي وطاقي آمن، وأن الحكومة لن تنقل الأثر الاقتصادي لتداعيات الحرب في المنطقة بالكامل إلى المواطن، برزت في السوق الأردني ظاهرة تهافت البعض على شراء السلع الغذائية ومصادر الطاقة. وهي ظاهرة قد تُفسَّر للوهلة الأولى باعتبارها سلوكاً اندفاعياً يعكس القلق أو عدم اليقين. إلا أن القراءة الاقتصادية الأعمق لهذه الظاهرة تكشف عن بُعد مختلف تماماً؛ فهي ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل تعبير واضح عن إدراك مجتمعي متقدم للمخاطر، ومحاولة عقلانية لتأمين الاحتياجات الأساسية في بيئة تتسم بعدم الاستقرار.

 إن التهافت في جوهره ليس مشكلة، بل هو مؤشر. مؤشر على وجود طلب كامن على الأمن الغذائي والطاقي، ومؤشر على أن المواطن الأردني مستعد لتحمل تكلفة هذا الأمن بشكل فردي عندما يشعر بغياب الضمانات الكافية على المستوى الكلي. وهنا تحديداً تكمن الفرصة التي غالباً ما تغيب عن النقاش العام: كيف يمكن تحويل هذا السلوك الفردي المبعثر إلى مشروع وطني منظم؟

 التجارب الدولية تقدم إجابة واضحة. فعلى مر التاريخ، لم تكن لحظات القلق الشعبي مجرد أزمات عابرة، بل كانت في كثير من الأحيان نقطة انطلاق لتحولات استراتيجية كبرى. في المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، أدى الخوف من نقص الغذاء إلى إطلاق حملة “Dig for Victory”، حيث تحولت الحدائق المنزلية إلى مساحات إنتاج غذائي، وشارك المواطنون بشكل مباشر في تعزيز الأمن الغذائي الوطني. وفي الولايات المتحدة، تم تحويل القلق الشعبي خلال نفس الفترة إلى أداة تمويل فعالة عبر سندات الحرب War Bonds، التي مكنت الحكومة من تعبئة الموارد المحلية لدعم الاقتصاد والمجهود الوطني.

 أما في اليابان، فقد شكلت أزمة النفط 1973 نقطة تحول مفصلية، حيث قاد القلق من انقطاع الإمدادات إلى إعادة هيكلة شاملة لسياسات الطاقة، جعلت من اليابان واحدة من أكثر الدول كفاءة في استهلاك الطاقة. وفي سنغافورة، التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، تم استثمار المخاوف التي برزت خلال جائحة كوفيد-19 لإطلاق استراتيجية “30×30”، بهدف تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الغذائي عبر التكنولوجيا والزراعة الحضرية.

 هذه النماذج تؤكد حقيقة جوهرية: القلق الشعبي، إذا ما أُحسن توجيهه، يمكن أن يتحول من عبء إلى أصل استراتيجي. فبدلاً من أن يبقى التهافت سلوكاً فردياً يضغط على الأسواق، يمكن أن يصبح قاعدة لتمويل مشاريع وطنية كبرى في مجالي الغذاء والطاقة. فالمواطن الذي يسعى لتخزين احتياجاته، هو ذاته مستعد للاستثمار في حلول مستدامة إذا ما أُتيحت له الأدوات المناسبة.

 من هنا، تبرز الحاجة إلى إطلاق مشروع وطني متكامل للأمن الغذائي والطاقي في الأردن، يقوم على تعبئة الموارد المحلية، سواء من خلال صناديق استثمار وطنية، أو أدوات تمويل موجهة للأفراد، أو شراكات فاعلة مع القطاع الخاص. مثل هذا المشروع لا يقتصر دوره على تأمين الإمدادات، بل يمتد ليشمل تعزيز الاستقلال الاقتصادي، وخلق فرص عمل، وتحفيز الابتكار في مجالات الزراعة والطاقة.

 وفي الوقت الذي ننشغل فيه بتحليل التطورات المتسارعة في الإقليم والعالم، من الضروري ألا نغفل أولوياتنا الداخلية. فبناء القدرة الذاتية لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية في عالم تتزايد فيه المخاطر وتتسارع فيه الأزمات. إن الاقتصادات التي تملك مشاريع وطنية واضحة قادرة على الصمود والتكيف، بينما تظل الاقتصادات التي تعتمد على ردود الفعل عرضة للتقلبات.

وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في أكثر من مناسبة أن الأمن الغذائي يشكل أولوية عالمية، مشدداً على أن الدول لا يمكن أن تنجح دون تأمين احتياجاتها الأساسية، وأن تجاهل مؤشرات الخطر المتصاعدة لم يعد خياراً. كما حذر جلالته من أن الأمن الغذائي سيكون من أبرز التحديات في المرحلة المقبلة، داعياً في الوقت ذاته إلى تحويل التحديات إلى فرص. هذه الرؤية الملكية تتقاطع بشكل مباشر مع ما نشهده اليوم من سلوك مجتمعي يسعى إلى تأمين الغذاء والطاقة، وهو ما يمكن أن يشكل قاعدة لانطلاق مشروع وطني يعزز من قدرة الأردن على مواجهة الأزمات.

 في النهاية، يمكن القول إن التهافت الذي شهدناه لا يجب أن يُقرأ كعلامة ضعف، بل كفرصة كامنة. فرصة لإعادة التفكير في نموذجنا الاقتصادي، وفرصة لبناء مشروع وطني يعزز من أمننا الغذائي والطاقي، ويحول القلق إلى قوة، والتحدي إلى إنجاز.

مواضيع قد تعجبك