*
الجمعة: 03 نيسان 2026
  • 03 نيسان 2026
  • 13:54
التقشف المستور الدولة كما لم تُرَ من قبل
الكاتب: عماد داود

التقشف يبدأ دائماً من حيث لا أحد يصرخ!
من المكيّف الذي يُطفأ بصمت. من المركبة التي تُوقف دون اعتراض. من الورقة التي لا تُطبع. من الموظف الصغير الذي لا يملك هاتفاً يتصل به بأحد!
هذا ليس تقشفاً. هذا اختيار من يتحمل — وهو اختيار سياسي بامتياز!
في الثلاثين من مارس ٢٠٢٦، أصدرت الحكومة الأردنية بلاغها. لا مكيفات في الوزارات. لا سفر للوفود. لا سيارات حكومية خارج الدوام. ثم كلّفت ديوان المحاسبة بالمتابعة.
ديوان المحاسبة. الجهة ذاتها التي وثّقت في تقريرها لعام ٢٠٢٤ سبعة عشر ألفاً ومئتين وستاً وثمانين مخالفة في استخدام المركبات الحكومية وحدها — في تسعين جهة، خلال عام واحد — قبل البلاغ.
سبعة عشر ألف مخالفة. ولم تتوقف إلا القليل.
الآن جاء البلاغ. كم ستكون المخالفات بعده؟ لا أحد يجرؤ على السؤال — لأن الجميع يعرف الجواب.
الأردنيون يحفظون هذه الدورة كما يحفظون أسماء أبنائهم: مخالفة، تقرير، إحالة، رف. مخالفة جديدة، تقرير جديد، إحالة، رف. وفي نهاية كل عام يُصدر الديوان تقريره بكل ثقة ويقول إن المخالفات "مستمرة" — وكأن الاستمرارية إنجاز يستحق التوثيق!
منذ سبعة وسبعين عاماً، والرف لا يمتلئ — لأنه لا يُفتح.
لكن الديوان ليس القضية. القضية في منطق التقشف ذاته!
حين تقول الحكومة "نتقشف" فهي تعني: نلمس الجسد المرئي من الدولة، ونترك ما تحت الجلد.
تلمس المكيّف. تترك المليار والستمائة واثنين وستين مليون دينار التي تمتصها ستة وعشرون هيئة مستقلة سنوياً — ثلثاها رواتب وامتيازات، وعجزها وحده ثمانمائة وعشرة ملايين. هيئات كانت سبعاً وخمسين ثم "دُمجت" — ولا أحد يعرف أين ذهب الفرق!
 هيئات وثّقت وزارة تطوير القطاع العام ذاتها أن هياكلها "القيادية والإشرافية" تُستخدم لرفع الرواتب لا لرفع الكفاءة.
حكومة داخل الحكومة. وحكومة داخل حكومة الحكومة. وفي الطابق السفلي، موظف قسم المشتريات يتصبّب عرقاً دون مكيّف!
السؤال الذي يطرحه العقل العادي — لا عقل المحلل — هو: لماذا يكفي الحد الأدنى لمن لا يصنع القرار، ولا يكفي لمن يصنعه؟
لماذا لا يبدأ التقشف من رواتب الوزراء التي تتجاوز بمخصصاتها الحد الأدنى بعشرات الأضعاف؟ لماذا لا يبدأ من الوظائف التي تُخلق لترتيب الناس لا لترتيب العمل؟ من العقود التي تُكتب بلغة تجعل الهدر قانونياً؟ من العلاوات التي تُوزَّع كولاء لا كاستحقاق؟
الجواب واحد: لأن التقشف على المكيف لا يُغضب أحداً. والتقشف على الهيئات يُغضب من بُنيت الهيئات لإرضائهم!
هذه ليست ملاحظة. هذا هو النظام.
ثمة قاعدة واحدة تُعيد إنتاج هذا النظام في كل دورة، في كل ميزانية، في كل بلاغ:
الأكثر قابلية للضغط يتحمل. الأكثر قوة يحمي نفسه!
هذه ليست نتيجة ثانوية للسياسة. هي السياسة!
التقشف المعلن ليس إصلاحاً بالمعنى المعتاد — هو إعادة توزيع للألم نحو الأسفل، مع إبقاء البنى العليا خارج أي مساءلة!
كل بلاغ يُنتج واجهة. وخلف الواجهة، تستمر الدورة: الهدر يختبئ في بند "طوارئ" أو "متنوع"! والسلطة تُوزَّع بحيث لا يكتمل قرار عند أحد فلا يُسأل أحد. والمسؤوليات تتشابك حتى يصبح الجميع شركاء — فلا يُعاقَب أحد. والفساد يُكتشف بعد التقادم دائماً، لأن توقيت الكشف جزء من التصميم.
ليس فشلاً. تصميم.
الدولة تقول: "بدأنا بأنفسنا."
وهذه الجملة هي الأكثر كذباً وصدقاً في آن واحد!
صادقة لأنهم بدأوا حقاً بشيء. كاذبة لأنهم بدأوا بما يمكن البدء به — لا بما يجب!
التقشف الحقيقي — تقليص رواتب القيادة، حلّ الهيئات الموازية، إعادة هيكلة القطاع العام فعلاً، قطع الوظائف الوراثية — لا يصدر بلاغاً. يصدر قانوناً. ويواجه. ويُكلِّف. ويُغضب!
والحكومة التي تعرف هذا تختار البلاغ الذي لا يُكلف ولا يُغضب ولا يُغيّر — ثم تُكلّف به ديوان المحاسبة، الذي يكتب تقاريره بدقة منذ سبعة وسبعين عاماً ثم يُحيلها إلى الرف!
والناس الذين تعلّموا قراءة البلاغات الحكومية معكوسة يعرفون: الفاتورة الحقيقية لا تأتي بلاغاً.
أتت في رفع تسعيرة المحروقات مطلع أبريل. وستأتي في فاتورة الكهرباء. وفي سعر الخبز إن طال الأمر. وحينها لن يسأل أحد عن المكيّف — لأن المسألة ستكون أكبر منه بكثير!
التقشف الحقيقي لا يبدأ من الطابق السفلي!
يبدأ من الطابق الذي فيه من كتب البلاغ — ثم أغلق بابه، وأشعل مكيّفه، وانتظر!
لكن — مش وقته!
الدولة لم تظهر بوجه جديد. فقط — رُئيت بلا قناع!

مواضيع قد تعجبك