*
الثلاثاء: 26 أيار 2026
  • 26 أيار 2026
  • 16:43
لماذا يحتاج الأردن إلى حلول مناخية مبنية على الطبيعة
الكاتب: هلا مراد

في وقت تتزايد فيه آثار تغير المناخ في الأردن بصورة أكثر وضوحا وقسوة، من الفيضانات المفاجئة إلى موجات الحر الطويلة والجفاف وتراجع الموارد المائية، لم يعد ممكنا التعامل مع قضيتي المناخ والتنوع البيولوجي كملفين منفصلين، وهذه دعوة للعالم وليس على المستوى الوطني فقط ،  فالعالم يتجه اليوم نحو فهم جديد يقوم على أن حماية الطبيعة ليست فقط هدفا بيئيا، بل جزء أساسي من حلول المناخ نفسها.

ومن هنا تأتي أهمية شعار اليوم الدولي للتنوع البيولوجي 2026: “العمل المحلي ذو التأثير العالمي”. 
هذا الشعار لا يتحدث فقط عن حملات توعوية أو مبادرات مجتمعية محدودة، بل يعكس تحولا عالميا متزايدا نحو بناء استجابات مناخية تنطلق من المجتمعات المحلية والطبيعة معا، عبر ما يعرف بـ “الحلول القائمة على الطبيعة”.
في الأردن، تبدو هذه الفكرة أكثر أهمية من أي وقت مضى، فنحن نعاني من تحديات  مائية ومناخية متشابكة: ارتفاع متزايد في درجات الحرارة، ضغوط على المدن والبنية التحتية، تراجع في الغطاء النباتي تحديدا بالغابات الطبيعية،  تصحر، وفيضانات مفاجئة أصبحت تتكرر بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة ، تؤثر على ما يحيط بها. 
لكن في المقابل، يمتلك الأردن أيضا فرصة مهمة: الطبيعة نفسها يمكن أن تصبح جزءا من الحل 
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على فكرة بسيطة لكنها استراتيجية ؛ وهي استخدام النظم البيئية الطبيعية أو استعادتها لتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة آثار تغير المناخـ وتبعاته  أي العمل مع الطبيعة بدلا من العمل ضدها ، وفي كل ما يتم انشائه او بنائه او تطويره ، أي اخذ الطبيعة على محمل الجد في كل الأنشطة الاقتصادية الزراعية منها والصناعية والخدمية . 
فحين تتم حماية الغابات وإعادة تأهيلها، فإنها لا تحافظ فقط على التنوع الحيوي، بل تساعد أيضا على خفض درجات الحرارة المحلية، وامتصاص الكربون، وتقليل مخاطر الانجراف والحرائق، وتساعد المزارع المحيطة ،  وحين تستعاد الأودية والمناطق الطبيعية المفتوحة، فإنها تصبح قادرة على امتصاص مياه الأمطار والتخفيف من حدة الفيضانات المفاجئة التي تهدد المدن والقرى والبنية التحتية والحركة السياحية على سبيل المثال،  وحتى في المناطق الحضرية، فإن زيادة المساحات الخضراء والتخطيط الحضري القائم على الطبيعة يساعد على تقليل ما يعرف بـ  ظاهرة “الجزر الحرارية” داخل المدن، حيث تصبح بعض المناطق الإسمنتية أكثر سخونة بشكل ملحوظ خلال الصيف.
نعم كعاملة ميدانيا في المجال  فانه وفي الأردن، يمكن رؤية هذه العلاقة بوضوح.
في غابات دبين وعجلون، لا تقتصر أهمية الغابات على قيمتها الطبيعية، بل تمتد إلى دورها في تنظيم المناخ المحلي، وحماية التربة، وتعزيز قدرة المجتمعات المحيطة على التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة. وفي الأزرق، تصبح حماية الواحة واستعادة أنظمتها البيئية جزءا من الأمن المائي والمناخي معا، في منطقة تواجه ضغوطا متزايدة من الجفاف واستنزاف المياه. أما البادية الأردنية، فإن استعادة الغطاء النباتي وإدارة المراعي بشكل مستدام يمكن أن يساهم في الحد من التصحر والعواصف الغبارية وتحسين قدرة المجتمعات الرعوية على الصمود، بل وأيضا في امتصاص الكربون،  وحتى في العقبة، فإن حماية النظم البحرية والساحلية تصبح مرتبطة بالتكيف المناخي وحماية الاقتصاد المحلي والأنظمة البيئية الحساسة ، لذلك نشدد في لقاء علة أهمية ان يراعي التنفيذ لمشروع الناقل الوطني الملوحة البحرية والتأثير على الحياة داخل الخليج. 
التحول المهم عالميا اليوم هو أن ملفي المناخ والطبيعة لم يعودا يداران بشكل منفصل،  فالاتفاقيات الدولية والنقاشات التي شهدتها مؤتمرات المناخ والتنوع البيولوجي خلال السنوات الأخيرة باتت تؤكد أن تحقيق أهداف المناخ لن يكون ممكنا دون حماية النظم البيئية، وأن فقدان التنوع الحيوي سيضعف قدرة الدول والمجتمعات على التكيف مع تغير المناخ.
ولهذا، فإن العمل المحلي الذي يدعو إليه شعار اليوم الدولي للتنوع البيولوجي لا يعني فقط حماية الأشجار أو تنظيم فعاليات رمزية، بل يعني بناء سياسات محلية قادرة على تحويل الطبيعة إلى جزء من البنية التحتية المناخية للدولة.
في الأردن، يمكن للبلديات والمجتمعات المحلية أن تلعب دورا محوريا في هذا التحول، فإدارة مياه الأمطار عبر حلول طبيعية، واستعادة الأودية، وزيادة المساحات الخضراء، وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، وحماية الغابات والمراعي، كلها إجراءات محلية صغيرة نسبيا، لكنها تملك أثرا تراكميا كبيرا على مستوى التكيف المناخي الوطني.
وهنا تكمن الفكرة الأهم في شعار “العمل المحلي ذو التأثير العالمي”. فحين تنجح المجتمعات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني  في بناء حلول قائمة على الطبيعة، فإنها لا تحمي نفسها فقط، بل تساهم أيضا في تحقيق أهداف عالمية تتعلق بالمناخ والتنوع الحيوي والاستدامة.
ورغم أن الأردن أطلق استراتيجيات وطنية مرتبطة بالتنوع الحيوي و واستراتيجية في العمل المناخي، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى ربط أكثر وضوحا بين الملفين، بحيث تصبح الحلول القائمة على الطبيعة جزءا أساسيا من التخطيط المناخي، وإدارة مخاطر الفيضانات، والتكيف مع موجات الحر، والتخطيط الحضري والمائي والزراعي ، فمسار الحلول المبنية على الطبيعة عليه ان يكون استراتيجيا كنقطة اتصال واضحة.
لأن مواجهة تغير المناخ في الأردن لن تتحقق عبر البنية التحتية الصلبة وحدها، بل عبر إعادة بناء العلاقة مع الطبيعة باعتبارها شريكا في الحماية والصمود،  وفي بلد محدود الموارد مثل الأردن، قد لا تكون الطبيعة مجرد إرث بيئي يجب الحفاظ عليه، بل أحد أهم خطوط الدفاع المستقبلية في مواجهة أزمة مناخية تتسارع عاما بعد عام.

مواضيع قد تعجبك