في قراءةِ سِيَرِ الكبارِ لا نبحثُ عن تتابعِ الأحداثِ، ولا عن تعدادِ المناصبِ، بل نبحثُ عن المعنى الكُلّيّ الذي انتظمها، وعن الفكرةِ العميقةِ التي جعلت من التعدّدِ وحدةً، ومن التنوّعِ مشروعًا، ومن الأدوارِ المختلفةِ رسالةً واحدةً. وفي سيرةِ العلّامةِ الأستاذِ الدكتورِ إبراهيمَ زيدٍ الكِيلانيّ – رحمهُ الله – نحنُ لا نقفُ أمامَ رجلٍ جمعَ بين الفقهِ والشِّعرِ، أو بين القانونِ والسّياسةِ، أو بين الدعوةِ والإعلامِ، بل أمامَ عقلٍ مركزيٍّ واحدٍ أدركَ أنَّ النهضةَ لا تُبنى بالتخصّصاتِ المعزولةِ، بل بتكاملِ المرجعيّاتِ وتوحيدِ المقاصدِ.
لقد كان العلّامةُ أبو الطيِّب نموذجًا نادرًا للعالِمِ الوطنيِّ الشاملِ؛ العالِمِ الذي لا يختبئُ في برجِ الفقهِ، ولا يذوبُ في دهاليزِ السّياسةِ، ولا يكتفي بالخطابِ الوعظيِّ، بل ينزلُ إلى قلبِ المجتمعِ والدولةِ والتشريعِ والإعلامِ، حاملًا معيارًا واحدًا: «كيف يخدمُ العِلمُ الإنسانَ، وكيف تصونُ الدولةُ قيمَها، وكيف يحمي القانونُ هويّةَ الأُمّةِ؟».
وُلِدَ إبراهيمُ زيدٍ الكِيلانيُّ في مدينةِ السَّلطِ، لا بوصفِها مكانًا، بل بوصفِها بيئةً أخلاقيّةً وتاريخيّةً؛ مدينةٍ عُرفت بتوازنِها بين التديّنِ والانفتاحِ، وبين العِلمِ والمسؤوليّةِ العامّةِ.
في بيتِ والدهِ الشّيخِ عبدِ الحليمِ الكِيلانيِّ، مفتي السَّلطِ وإمامِها ومربّيها، لم يكنِ القرآنُ محفوظًا في الصدورِ فقط، بل مقيمًا في السلوكِ، ومنظِّمًا للزمنِ، ومهذِّبًا للنفسِ.
هذا التكوينُ المبكِّرُ هو ما يفسِّرُ أنَّ علاقةَ الكِيلانيِّ بالقرآنِ لم تكن علاقةَ «تخصّصٍ أكاديميٍّ» لاحقٍ، بل علاقةَ تأسيسٍ وجوديٍّ؛ فالقرآنُ عندهُ ليس موضوعَ درسٍ، بل منهجَ رؤيةٍ، وميزانَ تفسيرٍ للتاريخِ، وأداةً لفهمِ السّياسةِ والاجتماعِ والاقتصادِ.
أمّا النَّسبُ الواصلُ إلى آلِ البيتِ عليهم السّلامُ، فلم يتحوّلْ عندهُ إلى خطابِ وجاهةٍ، ولا إلى سرديّةِ اصطفاءٍ، بل إلى مسؤوليّةٍ أخلاقيّةٍ؛ إذ كان يرى أنَّ شرفَ النَّسبِ لا يُصانُ إلّا بشرفِ الموقفِ، وأنَّ الانتسابَ الحقيقيَّ لرسولِ الله ﷺ هو الانتصارُ للحقِّ والعدلِ وكرامةِ الإنسانِ.
تميّزَ الدكتورُ الكِيلانيُّ بانتمائِه إلى مدرسةٍ فقهيّةٍ عميقةٍ لا تقفُ عند ظاهرِ النَّصِّ، ولا تُحبسُ في قوالبَ تقليديّةٍ، بل تنفذُ إلى مقاصدِ الشريعةِ الكبرى: حفظِ الدّينِ، والنَّفسِ، والعقلِ، والعِرضِ، والمالِ، أي كرامةِ الإنسانِ ومجتمعِه.
دراساتُه في دمشقَ وبغدادَ والأزهرِ كوّنت لديه عقلًا مركّبًا جمعَ بين رسوخِ النَّصِّ وفهمِ الواقعِ ووعيِ المقصدِ.
ولهذا لم يكن فقيهًا تقنيًّا، بل مفكّرًا تشريعيًّا يرى أنَّ الفقهَ إن لم يُترجمْ إلى نظامِ حياةٍ، وقانونٍ، ومؤسّسةٍ، فإنّه يفقدُ روحَه الاجتماعيّةَ. ومن هنا نفهمُ جهدَه الكبيرَ في تطويرِ كليّةِ الشريعةِ في الجامعةِ الأردنيّةِ عندما كان عميدَها، وإحياءَ المنهجِ العلميِّ المؤصَّلِ، ونقلَ التعليمِ الشرعيِّ من دراسةِ الجزئيّاتِ إلى بناءِ العقلِ المقاصديِّ الجامعِ.
لقد أدركَ أنَّ أخطرَ ما يواجهُ الأُمّةَ ليس الخلافَ الفقهيَّ، بل تفكّكَ الرؤيةِ، وأنَّ وحدةَ الأُمّةِ لا تُبنى على إلغاءِ التنوّعِ، بل على فهمِ عللِ الأحكامِ ومآلاتِها.
تمثّلُ معركةُ القانونِ المدنيِّ الأردنيِّ إحدى أهمِّ المحطّاتِ المفصليّةِ في فكرِ الكِيلانيِّ، لأنّها تكشفُ بوضوحٍ فلسفتَه السياسيّةَ والفقهيّةَ معًا. لم يرَ القانونَ مسألةً تقنيّةً، بل اعتبرَه ترجمةً لهويّةِ الدولةِ، وسؤالًا سياديًّا: «هل نكونُ أُمّةً تُشرِّعُ من داخلِ ثقافتِها، أم مجتمعًا يستهلكُ قوانينَ الآخرين؟».
في هذه المعركةِ لم يكنِ الكِيلانيُّ خطيبًا غاضبًا فقط، بل عقلًا فقهيًّا منظّمًا، ومقرِّرًا تشريعيًّا، ومفاوضًا سياسيًّا، ومحرّكًا للرأيِ العامِّ. وقدّم نموذجًا ناضجًا في الجمعِ بين الأصالةِ والمعاصرةِ، مؤكّدًا أنَّ الشريعةَ ليست تراثًا جامدًا، بل نظامًا قانونيًّا حيًّا قادرًا على التقنينِ والاستجابةِ لتعقيداتِ العصرِ. ولم يكن انتصارُ هذه المعركةِ انتصارًا دينيًّا فحسب، بل انتصارًا وطنيًّا وحضاريًّا جعلَ الأردنَّ مرجعًا عربيًّا في هذا المجالِ.
في تجربتِه وزيرًا ونائبًا، لم يتعاملِ الكِيلانيُّ مع السّياسةِ بوصفِها مجالًا للمساومةِ، بل بوصفِها مسؤوليّةً أخلاقيّةً. رفضَ اختزالَ الدّينِ في السّلطةِ، كما رفضَ فصلَ السّياسةِ عن القيمِ.
في أزمةِ الخليجِ، وفي مواقفِه البرلمانيّةِ، وفي نصرتهِ للمظلومينَ، كان ثابتًا على قناعةٍ واحدةٍ: «أنَّ الدولةَ القويّةَ هي الدولةُ العادلةُ، وأنَّ الاستقرارَ بلا عدالةٍ وهمٌ مؤجَّلُ الانفجارِ».
لقد فهمَ العملَ النيابيَّ باعتباره امتدادًا للأمرِ بالمعروفِ، ولكن بلغةِ الدستورِ، وآليّاتِ الدولةِ الحديثةِ، دون فوضى ولا شعبويّةٍ.
لا يمكنُ فهمُ فكرِ الدكتورِ إبراهيمَ زيدٍ الكِيلانيِّ دون فلسطينَ؛ فهي ليست عندهُ ملفًّا سياسيًّا، ولا شعارًا تعبويًّا، بل قضيّةً معياريّةً تكشفُ صدقَ الإيمانِ وعدالةَ الخطابِ.
فلسطينُ عندهُ ليست أرضًا فقط، بل اختبارًا أخلاقيًّا للأُمّةِ، وليست صراعَ حدودٍ، بل صراعَ قيمٍ ومرجعيّاتٍ.
في شعرِه، وفي خطبِه، وفي مواقفِه، حضرت فلسطينُ بوصفِها مرآةَ الانكسارِ العربيِّ، ودليلًا على أنَّ التفريطَ يبدأ من الوعيِ قبل أن ينتهيَ في الأرضِ. لم يكن بكائيًّا، بل ناقدًا لاذعًا لثقافةِ اللهوِ، والتطبيعِ النفسيِّ، والانشغالِ بالترفِ على حسابِ المقدّساتِ.
القدسُ في فكرِه ليست رمزًا دينيًّا فقط، بل قلبَ المعنى الحضاريِّ للإسلامِ؛ فمن فرّطَ بها فرّطَ بفكرةِ العدلِ نفسِها.
في برامجِه الإذاعيّةِ والتلفزيونيّةِ، كان الكِيلانيُّ قادرًا على تحويلِ أعقدِ المفاهيمِ القرآنيّةِ إلى خطابٍ مفهومٍ، دون أن يفقدَ عمقَه. ربطَ النَّصَّ بالحدثِ، والآيةَ بالواقعِ، فجعلَ من الإعلامِ أداةَ وعيٍ لا أداةَ تزييفٍ. ويكفي أنّه كان من أوائلِ من قدّموا الشّيخَ محمّدَ متولّي الشّعراويَّ للعالمِ العربيِّ، إدراكًا منهُ أنَّ العالِمَ الحقيقيَّ يجبُ أن يصلَ إلى الناسِ بلغتِهم.
شِعرُ الكِيلانيِّ لم يكن ترفًا، بل امتدادًا للرسالةِ. في فلسطينَ، وفي القدسِ، وفي الأسرةِ، تحوّلَ الشِّعرُ إلى ضميرٍ ناطقٍ، وإلى احتجاجٍ أخلاقيٍّ ضدَّ الزيفِ والخذلانِ. قصيدتُه ليست بكاءً على الأطلالِ، بل محاكمةً للوعيِ الجمعيِّ، وتحريضًا على استعادةِ المعنى.
بتأسيسِه جمعية المحافظة على القرآن الكريم، جسّدَ الكِيلانيُّ وعيَه المؤسّسيَّ العميقَ؛ فالقرآنُ لا يُحفظُ بالخُطبِ وحدَها، بل بالبرامجِ، والتعليمِ، والاستدامةِ. وهنا يظهرُ بوصفِه مفكّرًا استراتيجيًّا أدركَ أنَّ الفكرةَ إن لم تتحوّلْ إلى مؤسّسةٍ، فإنَّ الزمنَ كفيلٌ بتبديدِها.
في إبراهيمَ زيدٍ الكِيلانيِّ تتجسّدُ صورةُ العالِمِ الذي لم ينفصلْ عن وطنِه، ولا عن أُمّتِه، ولا عن عصرِه. لم يكن عالِمَ سلطةٍ، ولا معارضَ هوى، بل ضميرًا وطنيًّا سعى لأن تكونَ الدولةُ عادلةً، والقانونُ أصيلًا، والدّينُ حيًّا، وفلسطينُ حاضرةً في الوعيِ لا في الشّعاراتِ.
لقد ربَّى ابو الطيب أبناءَه على حُبِّ القرآنِ وفَهْمِ الدِّينِ والالتزامِ بالقِيَم، حتّى صاروا أُسَاتِذَةً في الشريعةِ الإسلاميّةِ وعُلَماءَ يُشارُ إليهم بالبَنان، كلٌّ في مجالِه، حاملين شُعلةَ العِلمِ والدعوةِ كما حملَها هو. فالميراثُ عند الكيلاني لم يكن مالًا أو منصبًا، بل نَهجَ حياةٍ ومَنهجَ فِكرٍ وأخلاقَ عِلم، تجسَّدت فيها أعلى درجاتِ المصداقيّة: أن يرى الداعيةُ أثرَ دعوتِه وحِكمتِه متجلِّيًا في أبنائه وذريّتِه من بعدِه
رحمهُ اللهُ رحمةً واسعةً؛ فقد كان بحقٍّ مشروعًا فكريًّا متكاملًا، ورجلَ مرحلةٍ، ودرسًا بليغًا في أنَّ أعظمَ ما يخلّفهُ العلماءُ ليس الكتبَ وحدَها، بل القدرةَ على الجمعِ بين الدّينِ والوطنِ، وبين النَّصِّ والواقعِ، وبين الفكرةِ والدولةِ، دون أن ينكسرَ الميزانُ.



