وُعد الناس بالجنة فتعلقت قلوبهم بالخلاص، واغض كثير منهم الطرف عن بعض حقوقهم الدنيوية بحثا عن وعد سماوي، قيل لهم لا تجادلوا، لا تسالوا، لا تعترضوا، فالدنيا فانية والاخرة خير وابقى، وهي حقيقية ثابته لا شك فيها، ومع نقاء النوايا في قلوب عامة الناس تسللت تفسيرات موجهة جعلت من الطاعة المطلقة والامتثال الصامت عنوانا للايمان.ع
هذا المقال لا يتناول الدين، فهو اسمى وارفع واقدس من النقد، بل يناقش ظاهرة اجتماعية وانسانية عابرة للتاريخ والجغرافيا، كيف يعاد تاويل بعض القيم الدينية في اتجاهات تجعل من الصمت فضيلة، ومن التقبل غير المشروط سلوكا مثاليا، ومن التساؤل خطرا على الثوابت، الحديث هنا ليس عن اشخاص او جهات، بل عن انماط تفكير ونماذج تلقين قد تتكرر في مجتمعات متعددة، مما يستدعي التامل والمراجعة.
الايمان في جوهره لا يخشى السؤال بل يدعو اليه ويحث عليه، هو وعي لا ينفصل عن الضمير، ويقظة لا تنفصل عن المسؤولية، لكن حين تتحول بعض التفسيرات الى قوالب سلوكية مغلقة فانها قد تقف احيانا حاجزا امام الاصلاح حتى وان لم يكن ذلك مقصدها.
عبر مراحل زمنية مختلفة نشات انماط من الخطاب الديني والاجتماعي تميل الى تحميل الفرد مسؤولية كل ما يمر به دون التطرق الى الاسباب البنيوية او السياقات العامة، قيل له ان الفقر ابتلاء، وان الاعتراض على الواقع جحود، وان الصبر مهما كانت الظروف هو الخيار الاسلم، وهكذا تحولت بعض المفاهيم الروحية الى وسائل تهدئة لا نوافذ وعي.
ومن المهم هنا التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرا ما تختلط في الوعي العام، الدين، والتدين، واستخدام الدين، فالدين في جوهره منظومة قيم ومبادئ ونصوص تؤسس لمعنى العدل والرحمة والمسؤولية والكرامة الانسانية، اما التدين فهو الفهم البشري لهذه المنظومة، اي الطريقة التي يترجم بها الناس الدين الى سلوك يومي ومواقف اجتماعية، وهو لذلك يختلف من مجتمع الى اخر ومن زمن الى اخر، اما استخدام الدين فهو امر مختلف تماما، اذ يتحول الدين هنا من منظومة قيم الى اداة توظيف، تستخدم احيانا لتبرير واقع معين او لاقناع الناس بقبول اوضاع يمكن تغييرها، وهنا لا يكون الخلل في الدين نفسه، بل في الطريقة التي يقدم بها او في الاهداف التي يستدعى من اجلها، ان الخلط بين هذه المستويات الثلاثة يجعل اي نقاش صعبا، لان نقد التدين او نقد توظيف الدين يفهم احيانا على انه نقد للدين ذاته، بينما الحقيقة ان الدين يبقى في جوهره منظومة اخلاقية عليا، اما المشكلة فتظهر حين يتحول فهم البشر له الى منظومة مغلقة، او حين يستخدم لتبرير ما هو قابل للنقاش والمراجعة والتغيير.
المشكلة اذن لا تكمن في النصوص بل في الانتقاء، حين يفتح باب التفسير على مقاسات معدة سلفا يصبح من السهل اسقاط ابعاد كاملة من الايمان لصالح مفاهيم مجتزاة، فتركز بعض الخطابات على الطاعة والانضباط، بينما تغفل النصوص التي تدعو الى العدالة والحرية والامر بالمعروف والاصلاح والمطالبة بالحقوق العامة والفردية.
اما في المجتمعات الحديثة حيث تتشابك الموروثات مع التحديات المعاصرة، فتبرز الحاجة الى خطاب ديني يوازن بين الثابت والمتغير، بين الروحي والواقعي، فليس من التناقض ان نؤمن بالقدر ونسعى لتغييره بالاخذ بالاسباب، وليس من الضلال ان نسال لماذا، بل من الشجاعة ان نفعل ذلك بحثا عن طريق الحق الأصوب.
لكن حين تتحول بعض الخطابات الدينية الى ادوات ضبط اجتماعي، تصبح الوظيفة التربوية للايمان محصورة في الامتثال لا في التحفيز، وينقلب الايمان من دعوة للتحرر من الخوف الى منظومة تعيد انتاجه بصيغة اخرى، الخوف من السؤال، الخوف من العقاب، الخوف من تجاوز المألوف.
السكينة لا تعني الاستسلام، والطاعة لا تعني الانفصال عن الضمير، والمجتمعات لا تتقدم حين تتحول علاقتها بالدين الى امتثال بلا فهم لمقاصده، او حين يعطل التفكير باسم الطاعة، بل حين تقوم هذه العلاقة على الوعي والفهم والمسؤولية الاخلاقية.
ما يرمي اليه هذا المقال هو التاكيد على اهمية الايمان بوصفه قوة داخلية تحفز الانسان على التغيير الايجابي، لا مجرد طقس يتكرر بلا خشوع او وعي، كما يدعو الى تعزيز العلاقة الروحية الشخصية بين الفرد وخالقه باسلوب يفتح المجال للتامل الحر والفهم المتجدد.
نحن اليوم بامس الحاجة الى خطاب ديني واجتماعي يتفاعل مع اسئلة الناس ويستوعب متغيرات واقعهم ولا يكتفي بتلقينهم، بل يساهم في تمكينهم من مواجهة تحدياتهم برؤية متوازنة تجمع بين الصبر والفهم والعمل وحب الحياة والايمان بالاخرة.
بالاضافة الى ضرورة وجود خطاب يعانق العدالة كما يعانق الرضا، ويحث على المشاركة لا الانكفاء، ويدعو الى التفكر لا الى الاتباع الاعمى، خطاب يحرر الانسان بدلا من تطويعه، ويعيد للدين القه كقيمة عليا وضمير حي لا كاداة للضبط الاجتماعي والانقياد الصامت!
فالايمان لا يختصر في فتوى، ولا يقاس بالانصياع، بل يقاس بقدرته على ملامسة جوهر الانسان ودفعه ليكون مسؤولا حرا، محبا صادقا في علاقته مع نفسه والاخرين وخالقه، تلك العلاقة لا تبنى على الخوف بل على الحرية، ولا تنمو في الظلمة بل في نور التفكر والصدق والوعي المستنير.



