• 30 آذار 2026
  • 11:33
باكستان على خط التهدئة من دبلوماسية الظل إلى منصة إقليمية لصناعة السلام
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

في خضم تصاعد التوترات في غرب آسيا وتعقّد المشهد الإقليمي، تبرز إسلام آباد كعاصمة تتحول تدريجياً إلى مركز للحراك الدبلوماسي الهادئ، حيث تسعى باكستان إلى لعب دور محوري في خفض التصعيد وفتح قنوات الحوار بين الأطراف المتنازعة. ولم يعد هذا الدور مجرد تحليل أو توقع، بل تعزز مؤخراً مع استضافة اجتماع مهم لوزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر إلى جانب باكستان، في خطوة تعكس ثقة إقليمية متزايدة بقدرة إسلام آباد على جمع الفرقاء تحت سقف واحد.
هذا الاجتماع، وإن كان تمهيدياً ولم يُعلن عن مخرجات نهائية حاسمة، إلا أنه حمل دلالات عميقة، أبرزها تنسيق المواقف لاحتواء التصعيد، ومنع اتساع رقعة الحرب، وفتح المجال أمام مبادرات وساطة وقنوات تواصل غير مباشرة. وهنا يتجلى الدور الباكستاني بوضوح، إذ لا تكتفي باستضافة اللقاءات، بل توظف خبرتها في إدارة القنوات الخلفية لتبادل الرسائل الحساسة وتقريب وجهات النظر في لحظات تتسم بالجمود السياسي والتوتر العسكري.
إن اعتماد باكستان على دبلوماسية الظل يمنحها ميزة فريدة، حيث تستطيع التحرك بعيداً عن الضغوط الإعلامية والمواقف العلنية المتشددة، ما يتيح للأطراف المتنازعة مساحة أوسع للمناورة والتفكير في حلول واقعية. وقد أظهرت التحركات الأخيرة أن إسلام آباد قادرة على توفير بيئة آمنة ومحايدة، تعزز بناء الثقة وتدفع نحو انتقال تدريجي من التصعيد إلى التهدئة.
كما أن توازن علاقات باكستان مع مختلف القوى الإقليمية والدولية يجعلها وسيطاً مقبولاً، لا يُنظر إليه كطرف منحاز، بل كجسر يربط بين مصالح متعارضة. وهذا ما بدا واضحاً في الاجتماع الرباعي، الذي عكس توجهاً جماعياً لتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع، والبحث عن مخارج دبلوماسية تحفظ استقرار المنطقة وأمنها.
ولا يقتصر أثر هذا الدور على الجانب السياسي فحسب، بل يمتد إلى أبعاد استراتيجية أوسع، إذ يمنح باكستان فرصة لتعزيز مكانتها الدولية وتحسين صورتها كدولة تسهم في صناعة السلام، لا في تأجيج الصراعات. وفي عالم تتراجع فيه فعالية الحلول العسكرية، تبدو الدبلوماسية الباكستانية نموذجاً متقدماً لنهج يقوم على الحوار، وبناء الثقة، واستثمار القنوات غير المباشرة لتفكيك الأزمات.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن باكستان لم تعد مجرد مراقب للأحداث، بل أصبحت فاعلاً دبلوماسياً يسعى بجدية إلى خفض التصعيد وتهيئة الأرضية لتسويات ممكنة. وإذا ما استمرت هذه الجهود وتكللت بنجاح، فقد تتحول إسلام آباد إلى محطة أساسية في مسار السلام الإقليمي، ونقطة التقاء لمبادرات تنقل المنطقة من حافة الصراع إلى أفق الاستقرار..

مواضيع قد تعجبك