*
الاثنين: 30 آذار 2026
  • 30 آذار 2026
  • 18:50
حين تُدمن الدولة صوتها نظرية يلا تنام
الكاتب: عماد داود

خبرني - كتب عماد داود:
هناك طبيبان.
الأول يفحصك بعينين باردتين، يقرأ ما يرى كما هو، ويقول لك ما لا تريد سماعه. يؤلمك… لكنه يعالجك.
والثاني يبتسم، يربت على كتفك، ويقول: لا شيء… أنت بخير. خذ مسكّنًا وارتح. تخرج مطمئنًا… وقد تعود بعد أشهر على نقالة!
المشكلة لا تبدأ هنا… بل حين تختار أن تصدّق الثاني.
عندها لا يختفي المرض… بل يختفي الإحساس به.
وهذا بالضبط ما يحدث حين تُدمن الدولة صوتها.
لا تكذب كثيرًا… لكنها تفعل ما هو أدق: تُؤجّل الحقيقة حتى تصل بلا أثر.
تُعيد ترتيب الواقع زمنيًا… فيأتي دائمًا بعد أن يفقد قدرته على الإنذار!
كالألم حين يُخدَّر مرارًا، لا يغيب… لكنه يفقد وظيفته.
لا يوقظ… لا يقلق… لا يفرض سؤالًا.
وهنا لا تعود المشكلة في ما يُقال،
بل في ما لم يعد ممكنًا أن يُقال!
الإعلام الذي يُطلب باسم “الوطني” لا يُراد له أن يكشف الواقع… بل أن يُثبّت إيقاعه.
إيقاعٌ لا يفاجئ… لا يربك… لا يقطع الطمأنينة.
وجوهٌ تعرفها…
نبرةٌ حفظتها…
جُملٌ سمعتها من قبل!
حتى يصبح الاختلاف خطرًا—لا لأنه خطأ… بل لأنه جديد!
وحين تختفي المسافة بين الأصوات،
لا يتوحد المعنى… بل يختفي.
لأن الحقيقة لا تسكن طرفًا…
بل تعيش في التوتر بين الأطراف.
وعند هذه النقطة، لا تحتاج الدولة إلى إخفاء شيء.
يكفي أن يبقى كل شيء في المستوى نفسه من الصوت!
لكن الكلفة تظهر متأخرة…
حين تفقد الدولة قدرتها على معرفة ما إذا كانت تُفهم… أم فقط تُسمع.
وهنا يبدأ التحول الأخطر:
جمهور لا يصدق… ولا يعارض…
بل يعيد الترجمة داخليًا!
ما يُقال علنًا يُفهم ضمنيًا،
وما يُحذف يُقرأ بوصفه الأهم.
هكذا لا يتشكل خلاف…
بل يتشكل وعيٌ معكوس.
وهو أخطر أشكال الوعي.
في بيئة لا تحتمل الخطأ المتأخر،
لا يكون التطمين حماية… بل تأجيلًا مكلفًا!
لأن السؤال لا يموت…
بل ينتظر اللحظة التي لا يعود فيها التأجيل ممكنًا.
المفارقة أن هذا كله يحدث… وأنت تدفع ثمنه!
تدفع لوجوهٍ تتكرر…
ولجُملٍ تُعاد…
ولصوتٍ لا يقول جديدًا… بل يمنع الجديد!
مستشفى فاخر…
أجهزة لامعة…
وبنج من النوع الرخيص!
لا ألم…
لا سؤال…
لا يقظة…
فقط جملة واحدة…
تُقال كل ليلة بهدوء:
“يلا تنام… يلا تنام.”
الإعلام الذي يحمي الدولة
ليس الذي يردد صوتها…
بل الذي يقطع هذا الإيقاع عند الحاجة!
لا ليعاديها…
بل ليمنعها من العمى.
تريد من يريحك.
لكن الدولة—إن أرادت أن تبقى—
لا تحتاج من يريحها…
بل من يوقظها!
والفرق بين الاثنين…
هو الفرق بين من يهمس لك:
“يلا تنام…”
ومن يجرؤ أن يسأل:
أين يبدأ الألم… حقًا؟

مواضيع قد تعجبك