خبرني - في خضم النقاشات المتصاعدة حول تعديل قانون الضمان الاجتماعي في الأردن، برز اتجاه مقلق يحاول اختزال الأزمة في طرف واحد، متمثلاً في أصحاب الرواتب التقاعدية المرتفعة، وكأنهم السبب الرئيسي في التحديات التي تواجه النظام التأميني. هذا الطرح، رغم بساطته الظاهرية، يحمل في طياته قدراً كبيراً من التبسيط المخل، بل وقد يقود إلى نتائج عكسية تمس جوهر العدالة الاجتماعية.
الحقيقة التي يتم تجاهلها في كثير من الأحيان هي أن هذه الفئة لم تصل إلى رواتب تقاعدية مرتفعة من فراغ، بل عبر سنوات طويلة من المساهمات المالية الكبيرة. فالنظام التأميني، بطبيعته، يقوم على علاقة واضحة بين الاشتراكات والمنافع؛ وكلما ارتفعت الاقتطاعات، ارتفعت المنافع المتحققة. وعليه، فإن ما يتقاضاه أصحاب الرواتب التقاعدية العالية اليوم ليس امتيازاً طارئاً أو استنزافاً للموارد، بل هو انعكاس طبيعي لالتزامات مالية سابقة تم الوفاء بها على مدى عقود.
إن تصوير هذه الفئة وكأنها “تستنزف” الضمان الاجتماعي، يخلق انطباعاً مضللاً، ويؤسس لخطاب شعبوي قد يجد صدى سريعاً، لكنه يفتقر إلى الأساس الاقتصادي السليم. فالمشكلة لا تكمن في من حصل على حقه، بل في كيفية إدارة الموارد، وكفاءة الاستثمارات، ووضوح الرؤية الاستراتيجية للمؤسسة في مواجهة التحديات المستقبلية.
ومن زاوية العدالة، يبرز تناقض واضح في الطرح السائد؛ إذ يُنادى أحياناً بتقليص الفوارق في الرواتب التقاعدية بحجة تحقيق المساواة، دون الالتفات إلى أن العدالة الحقيقية - من هذا المنطق - تقتضي أيضاً المساواة في حجم الاقتطاعات. فلا يمكن المطالبة بمخرجات متساوية من نظام يقوم في أساسه على مدخلات غير متساوية. إن العدالة ليست تسوية حسابية بين الجميع، بل هي توازن منطقي بين ما يُدفع وما يُستحق.
الأخطر من ذلك، أن شيطنة أصحاب الرواتب التقاعدية العالية لا تضر فقط بهذه الفئة، بل تضرب الثقة في النظام التأميني ككل. فعندما يشعر المشتركون أن حقوقهم المستقبلية قد تصبح عرضة لإعادة التفسير أو التقييد تحت ضغط الخطاب العام، فإن ذلك قد يقوض أحد أهم أسس أي نظام تقاعدي ناجح، وهو الاستقرار والثقة طويلة الأمد.
كما أن هذا الخطاب يفتح الباب أمام انقسامات اجتماعية غير مبررة، من خلال خلق صورة صراع بين فئات المجتمع، بدلاً من توجيه الجهود نحو معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة. فالتحديات التي تواجه الضمان الاجتماعي أكثر تعقيداً من أن تُختزل في فئة محددة؛ فهي تمتد إلى قضايا تتعلق بالحَوْكمة، وكفاءة الإدارة، واستراتيجيات الاستثمار، والتغيرات الديموغرافية التي تفرض ضغوطاً متزايدة على الأنظمة التقاعدية حول العالم.
إن أي إصلاح حقيقي لمنظومة الضمان الاجتماعي يجب أن ينطلق من تشخيص موضوعي وشامل، بعيداً عن الخطابات الانفعالية أو الحلول السهلة. فالحفاظ على استدامة النظام لا يتعارض مع حماية الحقوق المكتسبة، بل إن التوازن بينهما هو جوهر أي سياسة تأمينية رشيدة.
في النهاية، فإن تحميل فئة بعينها مسؤولية أزمة مركبة لا يحل المشكلة، بل يؤجل مواجهتها. أما الاستمرار في شيطنة أصحاب الرواتب التقاعدية العالية، فلن يخدم إلا تعميق الانقسام وإبعاد النقاش عن مساره الصحيح… وهو ما لا يخدم في نهاية المطاف إلا الأزمة ذاتها.



