• 28 آذار 2026
  • 19:12
ما لا تعرفونه عن الالم العضوي و النفسي غير المُفسَّر 
الكاتب: الدكتور محمد علي المعايطه

خبرني - كتب الدكتور محمد علي المعايطة:

أوّلاً: في أصل المصطلح وخطورة الاستسلام له
لا يمكن لأيّ باحث أكاديمي جادّ أن يُقارب ظاهرة الفيبروميالجيا دون أن يقف، أوّلاً، عند بنية المصطلح ذاته، ويستجوبه بعين ناقدة. إنّ كلمة Fibromyalgia ليست تسمية لمرضٍ مُثبتٍ آليّتُه الفيزيولوجية المرضية، بل هي تركيبٌ وصفيٌّ لغوي خالص، مشتقٌّ من ثلاثة جذور:
 ∙ Fibro = الأنسجة الليفية
 ∙ Myo = العضلات
 ∙ Algia = الألم
وترجمته الحرفية لا تعدو كونها: “ألمٌ في الألياف والعضلات”، أي أنّه وصفٌ للأعراض لا تعريفٌ لمرض. وهنا تكمن الخطورة المنهجية كما وصف الدكتور المعايطة . و ناقش علميا محاورا الاطباء و الباحثين العالميين بعدة نقاط:
الأولى: حين يُعامَل الوصف معاملة التشخيص، وحين يُخطئ الباحثون في استبدال التساؤل بالتسمية، والكشف بالتصنيف.
لقد اعتاد الطبّ السريري، عبر تاريخه، على إطلاق مسمّيات على الحالات التي تستعصي على الفهم؛ وهي ممارسة مشروعة بوصفها خطوةً تنظيمية مؤقتة لتوحيد الوصف السريري وتيسير التواصل بين المعالجين. غير أنّ الإشكالية الجسيمة تنشأ لحظة يتحوّل هذا المسمّى المؤقت إلى حكمٍ نهائيٍّ مُغلق، يُجفّف ينابيع البحث، ويُقنع الممارس السريري والباحث المختبري معاً بأنّ المهمة قد اكتملت بمجرد كتابة الاسم على الورقة الطبية.

ثانياً: اعتماد المعايير التشخيصية لا يعني اكتمال المعرفة
دأب بعض الأطباء والباحثين على الاحتجاج بأنّ اعتماد معايير تشخيصية رسمية من قِبَل الكلية الأمريكية لأمراض الروماتيزم (American College of Rheumatology) يمنح الفيبروميالجيا شرعيةً بوصفها كياناً مرضياً مستقلاً. وهذا خلطٌ دقيق ينبغي التنبّه إليه. إنّ توحيد المعايير التشخيصية هو في جوهره إجراءٌ إجماعيٌّ (consensus-based procedure)، لا دليلٌ تجريبيٌّ مستقلّ على وجود مرضٍ ذي هوية بيولوجية محدّدة. فكثيرٌ من الحالات التي عُرِّفت تشخيصياً في مرحلة من المراحل أُعيد النظر فيها جذرياً (أو أُلغيت بالكلية) بعد أن تقدّمت أدوات البحث واتّسعت آفاقه.
الاعتماد المؤسسي لمعيار تشخيصي يدل للأسف على نضج الإجراء التنظيمي المستسلِم، لا على نضج الفهم العلمي. وإنّ الباحث الذي يخلط بين الاثنين يعرّض نفسه لخطر بالغ: الاطمئنان إلى اليقين قبل أوانه.

ثالثاً: التحسّس المركزي — تفسيرٌ وظيفي لا سببٌ جذري
ارتبطت الفيبروميالجيا في الأدبيات الحديثة بمفهوم Central Sensitization (التحسّس المركزي)، أي تضخيمٍ مرضيٍّ لإشارات الألم داخل الجهاز العصبي المركزي، حتى غدا هذا المفهوم في أذهان كثيرين تفسيراً كافياً وكاملاً. وهو في حقيقته ليس كذلك.
التحسّس المركزي يُجيب عن سؤالٍ واحد فحسب: كيف يشعر المريض بهذا الألم؟ لكنّه يتحاشى(أو يعجز ) عن الإجابة عن السؤال الأعمق والأكثر إلحاحاً: 
لماذا انحرف الجهاز العصبي أصلاً نحو هذا التضخيم؟ وما الذي أطلق هذا الانحراف؟
إنّ الوقوف عند التحسّس المركزي بوصفه تفسيراً نهائياً هو بالضبط كالوقوف عند ارتفاع الحرارة بوصفه تشخيصاً نهائياً، بدلاً من السؤال عن العدوى أو الالتهاب أو الورم الذي أطلقها. الآلية ليست السبب، وعلاج الآلية وحدها دون البحث عن السبب هو طبٌّ منقوص في أحسن أحواله، وضارٌّ في أسوئها.

رابعاً: المسار الزمني : دليلٌ سريري يستحق التأمّل العلمي
لعلّ من أكثر المؤشرات السريرية دلالةً (وأقلّها حضوراً في النقاشات الأكاديمية) هو النمط الزمني لهذه الحالة. فلو كانت الفيبروميالجيا مرضاً عضوياً مستقلاً ذا آلية ثابتة، لسارت وفق نمطٍ تدريجي مستمر، كما هو الحال في الأمراض الروماتيزمية الالتهابية أو التنكسية. غير أنّ الملاحظة السريرية المتأنية تكشف نمطاً مغايراً:
 ∙ يُعاني بعض المرضى لأسابيع أو أشهر، ثم تتراجع الأعراض تراجعاً ملحوظاً.
 ∙ لا يستمر المرض في غالب الحالات بصورة دائمة ومنيعة على التحسّن.
 ∙ تُلاحَظ علاقةٌ وثيقة بين تحسّن الأعراض وزوال عوامل معينة (نفسية كانت أم هرمونية أم بيئية) وإن ظلّت هذه العوامل في أغلب الأحيان غير محدّدة بدقة.
هذا النمط لا يُشبه ظاهرة مرضية مستقلة ذات حياة داخلية خاصة، بل يُشبه انعكاساً نهائياً مشتركاً (Final Common Pathway) لعوامل متعددة ومتداخلة ومتغيّرة، من بينها كما وضح الدكتور المعايطة:
 ∙ اضطرابات النوم وتفككه البنيوي
 ∙ الضغوط النفسية المزمنة وتراكمها البيولوجي
 ∙ القلق والاكتئاب المصاحبان أو السابقان
 ∙ الاختلالات الهرمونية (ولا سيما محور الغدة الدرقية ومحور الكظر)
 ∙ الاضطرابات المناعية أو الاستقلابية التي قد لا تظهر في الفحوصات الاعتيادية.
. الخمول و الكسل الجسدي و النفسي
وكلّ هذه العوامل تبدأ وتنتهي، تتصاعد وتخفت، وتنعكس الأعراض تبعاً لها. فمن أين جاءت إذن هذه اليقينية بوجود كيانٍ مرضي مستقل ثابت؟

خامساً: خطورة التوقف عند الاسم حين تُصبح البداية نهاية
وهنا نصل إلى لبّ الإشكالية، وهو في الوقت ذاته أخطر ما في هذا الموضوع على المسيرة العلمية والمريض معاً.
حين يُعطى المريض تشخيص “فيبروميالجيا” ويُرسَل إلى بيته بمسكّنات أو بروتوكولات تعامل مع الأعراض دون البحث عن الأسباب (تكون المأساة قد اكتملت). و أكد المعايطه ان المأساة الأعمق تقع على مستوى البحث العلمي ذاته: حين تُصاغ الفرضيات البحثية على افتراض وجود مرضٍ مستقل موحّد، وتُصمَّم التجارب لاختبار علاجاتٍ للأعراض بدلاً من السعي للكشف عن المسبّبات.
إنّ غياب التجارب العلمية المخبرية المضبوطة المنهجية (Systematic Controlled Trials) الرامية إلى استقصاء الأسباب البيولوجية والنفسية العصبية الجذرية لهذه الحالة، لا مجرد إدارة أعراضها، يمثّل ثغرةً منهجية فادحة في الأدبيات الطبية. والأخطر من ذلك هو شُحّ التجارب العلمية الممنهجة العشوائية المضبوطة (Randomized Controlled Trials) التي تنطلق من تساؤل حقيقي: هل هذه الحالات مجموعةٌ واحدة متجانسة أصلاً؟ أم أنّها مجموعاتٌ غير متجانسة تشترك في مظهر سريري واحد لكنّها تختلف اختلافاً جوهرياً في أسبابها ومساراتها وآليّاتها؟
الإجابة عن هذا السؤال وحده من شأنها أن تُعيد رسم خريطة البحث العلمي في هذا الميدان برمّته.

اختتم الدكتور المعايطة قائلا ينتقد فيه الباحثين والأطباء  : لماذا يتحوّل الاسم إلى نهايةٍ بدلاً من أن يكون بداية؟
يبقى السؤال الأشدّ إلحاحاً والأوجع صراحةً
: لماذا يقبل الباحثون والأطباء (على اختلاف تخصصاتهم ودرجة أكاديميتهم) أن يكون الاسم نهاية المطاف؟
ليس الجواب بعيداً: إنّه في بعض الأحيان اقتصادٌ معرفي مفهوم في سياق العيادة المثقلة. وفي أحيان أخرى هو راحة نفسية مشروعة حين يجد الطبيب نفسه أمام مريضٍ يشكو وفحوصاته سليمة. لكنّ هذا المنطق (مهما كان مفهوماً إنسانياً) لا يُقبل أكاديمياً ولا منهجياً ولا أخلاقياً حين يتعلق الأمر بالبحث العلمي.
إنّ الباحث الذي يُصنّف المرضى تحت مظلّة “فيبروميالجيا” ثم يمضي لاختبار فاعلية دواء ما على هذه المجموعة غير المتجانسة، يجري في الحقيقة بحثاً من الناحية المنهجية مشوّهاً في أساسه، لأنّه يضع في سلّة واحدة حالاتٍ ربما تختلف جذرياً في أسبابها ومساراتها، ثم يعجب لاحقاً من تضارب نتائجه وضعف تكرارها (poor reproducibility).
والطبيب الذي يكتفي بالتسمية دون أن يسعى عبر بروتوكول مخبري عصبي هرموني نفسي منهجي للوصول إلى العامل المُسبّب لدى مريضه بعينه، لا يُقدّم طباً جذرياً، بل يُقدّم تسكيناً مرحلياً على حساب الشفاء المحتمل.

يبدأ العلم من حيث يتوقف الاسم. وما لم يُدرك الباحثون والأطباء هذا الفارق الجوهري و دون عمل ابحاث (التجارب الطبية المنهجية الخاضعة للرقابة) ، ستظل الفيبروميالجيا سجناً لغوياً يحتجز مرضاها، ويحتجز معهم الحقيقة التي تستحق أن تُكتشف.

مواضيع قد تعجبك