*
الاحد: 29 آذار 2026
  • 28 آذار 2026
  • 21:32
هل يقفز النفط إلى 200 دولار
الكاتب: عامر الشوبكي

المرحلة المقبلة تُقرأ بقدرة العالم على تأمين الطاقة قبل أي مؤشر آخر. حركة الأسعار تبقى انعكاسًا، أما الاختبار الحقيقي فهو في الوصول إلى النفط والغاز واستمرارية تدفقهما. ومع تحوّل الإمدادات إلى عنصر محدود، يصبح مستوى 200 دولار إشارة إلى دخول الأزمة طورًا جديدًا، لا إلى بلوغها نهايتها.

في هذا السياق، لم يعد الحديث عن “مخاطر محتملة” على إمدادات الطاقة دقيقًا، إذ دخلت الأسواق فعليًا مرحلة التعطّل، مع فقدان يُقدّر ما بين 12 إلى 15 مليون برميل يوميًا من التدفقات، بالتزامن مع اضطراب واسع في إمدادات الغاز الطبيعي المسال يقترب من 20% من السوق العالمية. هذا التطور لا يعكس مجرد توتر جيوسياسي، بقدر الاشارة إلى تحوّل عميق في بنية السوق، حيث تتقاطع الصراعات العسكرية مع شرايين الطاقة العالمية، من مضيق هرمز إلى احتمالات تعطيل باب المندب مع دخول الحوثي على خط المواجهة، ما يهدد تدفقات النفط والتجارة معًا، خصوصًا نحو آسيا.

وفي سوق تعتمد على توازن دقيق بين العرض والطلب، فإن فقدان ما بين 15 إلى 20% من الإمدادات العالمية يؤدي إلى اختلال مباشر في توفر النفط والغاز قبل أن يظهر أثره الكامل على الأسعار. هنا يتبدل منطق التعامل مع السوق؛ القدرة المالية وحدها لم تعد كافية، لأن الكميات نفسها أصبحت محدودة. بعض الدول والقطاعات قد تجد نفسها خارج المنافسة، ليس لضعفها الاقتصادي، بل لأن المعروض لم يعد يغطي الجميع.

هذا الواقع يفتح الباب أمام مرحلة يتراجع فيها الطلب بشكل مفروض بفعل نقص الإمدادات. أجزاء من النشاط الاقتصادي ستتباطأ أو تتوقف لأن الطاقة غير متاحة بالكميات المطلوبة. المصانع، النقل، والشحن والسفر تدخل تدريجيًا في حالة انكماش عندما يتحول الوقود إلى عنصر نادر. ومع اتساع هذه الحالة، تتغير آلية عمل السوق، ويظهر نمط أقرب إلى توزيع ما هو متاح بدل الاعتماد على آليات التسعير التقليدية.

ولا تقف الأزمة عند حدود النفط، إذ يتزامن هذا التعطّل مع اضطراب كبير في سوق الغاز الطبيعي، دفع العديد من الدول إلى التحول نحو زيت الوقود والديزل لتوليد الكهرباء، وهو ما يضيف ضغطًا إضافيًا على الطلب في توقيت حساس. النتيجة سلسلة مترابطة من التأثيرات: نقص في النفط، نقص في الغاز، ارتفاع حاد في تكلفة الكهرباء، عودة الفحم كخيار اضطراري، وتسارع في التضخم عالميًا. كما بدأت آثار ذلك تمتد إلى قطاعات حديثة مثل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، التي تعتمد بشكل متزايد على استهلاك الطاقة.

ما يجعل هذه الأزمة أكثر خطورة من أزمة 1973 ليس حجمها فقط، بل امتدادها الزمني وترابطها مع بقية قطاعات الاقتصاد. العالم اليوم يعتمد على الطاقة في كل مفاصله، من الصناعة إلى التكنولوجيا. إضافة إلى ذلك، فإن جزءًا من التعطّل الحالي يرتبط بأضرار في البنية التحتية قد تستغرق وقتًا طويلًا لإصلاحها، ما يعزز احتمالات استمرار الأزمة لفترة أطول.

وفي هذا الإطار، أصبحت السياسة جزءًا مباشرًا من حركة السوق. التصريحات والتحركات الدولية تؤثر فورًا في التوقعات والأسعار، في ظل حالة عدم يقين مرتفعة. ومع استمرار تعطّل الإمدادات وتراجع المخزونات الاستراتيجية تدريجيًا، يقترب سيناريو 200 دولار من كونه احتمالًا مرتبطًا بالواقع.

عند هذه المرحلة، تتغير موازين الطاقة بشكل ملموس. بعض الاقتصادات ستتمكن من التكيف، بينما تواجه أخرى ضغوطًا قد تصل إلى التراجع أو التوقف. النفط والغاز هنا يتحولان إلى عامل حاسم في القدرة على الاستمرار، ويصبح التحدي في تأمين الطاقة نفسها قبل أي اعتبار آخر.
 

مواضيع قد تعجبك