*
الاثنين: 09 آذار 2026
  • 08 آذار 2026
  • 16:43
بين ضجيج الحروب وقلق الصغار كيف نحمي نفسية اطفالنا
الكاتب: د.أحلام ناصر

عندما تندلع الحروب في مكان ما من العالم، لا تبقى آثارها محصورة في ساحة المعركة، بل ان الأخبار، والصور، والمقاطع المتداولة تنتقل بسرعة إلى بيوتنا، واصوات زوامير الانذار تصل لكل بيت، وتصل أيضاً إلى عقول الأطفال، وفجأة يبدأ الطفل بطرح أسئلة ثقيلة على الوالدين، لماذا هناك حرب؟ وهل يمكن أن نموت؟
هذه الأسئلة لا تعني أن الطفل يفهم السياسة أو الصراعات الدولية، بل تعني شيئاً أبسط وأعمق وهو البحث عن الأمان والطمأنية، العالم بالنسبة له هو البيت والمدرسة ووالداه، وعندما يسمع كلمة "حرب"، يبدأ عقله الصغير بالتساؤل إن كان هذا العالم الذي يعرفه ما زال آمناً.
علم نفس الطفل يشير إلى أن رد فعل الأهل على الأزمات أهم من الحدث نفسه، فالطفل يراقب وجوه والديه ونبرة أصواتهم ليحدد إن كان هناك خطر حقيقي، عندما يرى الهدوء والطمأنينة، يشعر أن الأمور تحت السيطرة، وقد أكدت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن استجابة الأهل الهادئة في الأزمات تساعد بشكل كبير في تقليل القلق والخوف لدى الأطفال.
عندما يسأل الطفل عن سبب الحرب، لا يحتاج إلى شرح سياسي معقد، يكفي تفسير بسيط يفهمه عقله، يمكن أن نقول إن الحروب تحدث أحياناً عندما يختلف الناس الكبار ولا يستطيعون حل مشاكلهم بالحوار، وأن هناك كثيراً من الدول والمنظمات في العالم تعمل دائماً لإيقاف الحروب وحماية الناس، فالأطفال، كما يوضح عالم النفس التنموي جان بياجيه، يفكرون بطريقة بسيطة ومباشرة في المراحل الأولى من العمر، لذلك فإن التفسيرات المعقدة قد تزيد القلق بدلاً من أن تطمئنهم.
أما السؤال الأصعب فهو عندما يسأل الطفل، هل يمكن أن نموت؟ هنا يجب أن يكون الرد مطمئناً وصادقاً في الوقت نفسه. من المهم أن نشرح للطفل أننا في مكان آمن، وأن هناك مؤسسات ودولاً تعمل لحماية الناس، لكن الأهم من ذلك أن يشعر أن والديه موجودان إلى جانبه وأنه ليس وحده في مواجهة هذا الخوف.
في عصرنا الحالي، المشكلة ليست فقط في الخبر، بل في كثرة الصور والمشاهد العنيفة التي يراها الأطفال، التكرار المستمر لمشاهد الدمار قد يخلق لديهم شعوراً بأن العالم كله غير آمن، لذلك توصي منظمة الصحة العالمية بتقليل تعرض الأطفال للأخبار العنيفة، وشرح ما يسمعونه بطريقة هادئة وبسيطة.
ورغم كل ما يحدث في العالم، يبقى الحفاظ على الروتين اليومي للأطفال أمراً مهماً، الذهاب إلى المدرسة، اللعب، والجلوس مع العائلة كما اعتادوا، يمنحهم شعوراً بأن الحياة ما زالت طبيعية. كما يجب السماح لهم بالتعبير عن مشاعرهم وخوفهم دون التقليل منها، فوجود علاقة آمنة بين الطفل ووالديه، كما توضح نظرية التعلق لدى عالم النفس جون بولبي، يساعد الطفل على التعامل مع القلق والضغوط النفسية بشكل أفضل.
ربما لا نستطيع أن نغير ما يحدث في العالم، لكننا نستطيع أن نحمي عالماً آخر أكثر أهمية، عالم الطفل الداخلي، عندما يشعر الطفل أن والديه هادئان وقريبان منه، يتعلم أن الأزمات تمر، وأن الأمان يمكن أن يبدأ من البيت.

مواضيع قد تعجبك